وهذا القلم له ثلاثمائة وستّون سنا من حيث ما هو قلم ، وثلاثمائة وستّون وجها من حيث ما هو عقل ، وثلاثمائة وستّون لسانا من حيث ما هو روح مترجم عن اللَّه تعالى ، ويستمدّ كلّ سنّ من ثلاثمائة وستّين بحرا وهي أصناف العلوم ، وسمّيت بحرا لاتّساعها ، وهذه البحور هي إجمال الكلمات الَّتي لا تنفد لقوله جلّ ذكره :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّه ُ مِنْ بَعْدِه ِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّه ِ إِنَّ اللَّه َ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ سورة لقمان : 27 ] .
والكلّ إشارة إلى عظمة هذا الموجود والأسرار الَّتي تحته .
وإذا تقرّر هذا فاعلم ، أنّ هاهنا لطائف ودقايق :
( إنّ القرآن صورة إجمال العالم )
الأولى منها ، وهي أنّ اللَّه تعالى حيث جعل العالم كلَّه كالكتاب ، ورتّبه على ترتيب الحروف والكلمات والآيات الَّتي فيه ركّبها منها ، وجعل الباء الَّذي بعد الألف الَّذي بمثابة الذّات جامعا لجميع الأسرار الَّتي يتعلَّق بهذا الكتاب لأنّه مظهر ذاته ومنبع آياته وكلماته ، جعل الكتاب القرآن صورة إجماله وتفصيله وأودع جميع ما في ضمنه من الأسرار والحقائق في الباء الَّذي في « بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم » نيابة عن الألف المنخفض فيه وعوضا عن طول الباء كما مرّ ذكره ليكون التطبيق صحيحا .
( ترتيب القرآن مطابق لترتيب العالم )
والثانية ، وهي أنّ اللَّه تعالى حيث جعل ترتيب الكتاب القرآني على ترتيب الكتاب الآفاقي ، فكما كان ابتداء الكتاب الآفاقي بالباء المشار إليه في الأقوال المتقدّمة ، جعل ابتداء الكتاب القرآني كذلك بباء « بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم » ليكون قول من قال : ظهرت الموجودات من باء بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم ( 192 ) ، صحيحا مطابقا .
هامش
( 192 ) قوله : ظهرت الموجودات إلخ .
قد مرّت الإشارة به في تعليقتنا الرقم 175 وفي الجزء الأوّل ص 120 ورقم التعليقة 13 - فراجع .