فإنّ الحاكم بحدّه في مكان وتحيّزه فيه والمشير إليه بالمثل المتصوّر له بالقياس إلى نظير يشاكله ويشابهه ، إنّما هو الوهم والخيال ، ولمّا عرفت انّهما يخصّان للحيوان العنصري لا جرم كانت هذه الأحكام مسلوبة عن الملائكة السماويّة مطلقا وباللَّه التوفيق .
الفصل الثالث في كيفيّة خلق آدم عليه السّلام
قوله : ثمّ جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها إلى قوله : وتناسل الذريّة .
( شرح ألفاظ الخطبة )
أقول : الحزن من الأرض : ما غلظ منها واشتدّ كالجبل ، والسهل : ما لان ، وعذبها :
ما طاب منها واستعدّ للنبات والزرع ، والسّبح : ما ملح منها ، والمسنون : الطين الرطب في قول ابن عبّاس ، وعن ابن السكيت عن أبي عمر : أنّه المتغير ، وقول ابن عبّاس أنسب إلى كلام عليّ عليه السّلام ، لأنّ قوله : وسنّها بالماء حتّى لزبت ، أي أنّه خلَّطها بالماء حتّى صارت طينا رطبا يلتصق ، وصلصلت : قال بعضهم : الصلصال هو المنتن من قولهم : صلّ اللحم وأصلّ إذا أنتن ، وقيل : هو الطين اليابس الَّذي يصلصل وهو غير مطبوخ ، وإذا طبخ فهو فخار ، وقيل : إذا توهّمت في صوته مدّا فهو صليل ، وإذا توهّمت فيه ترجيعا فهو صلصلة ، ولاطها بالبلَّة أي خلَّطها بالرطوبة ومزّجها بها ، والبلَّة بالكسرة : النداوة ، وبالفتح واحدة البلّ ، واللازب : اللاصق ، وأصل الباء الميم ، وجبل : أي خلق ، والأحناء : جمع حنو وهي الجوانب ، والوصول : جمع كثرة للوصول وهي المفاصل وجمع القلَّة أوصال ، وأعضاء جمع عضو بالكسر والضمّ ، كاليد والرجل للحيوان ، وأصلدها : أي جعلها صلدا وهي الصلبة المساء ، والذّهن : في اللغة الفطنة والحفظ ، وفي الاصطلاح العلمي عبارة عن القوى المدركة من العقل والحس الباطن ، والفكر : جمع فكرة وهي قوّة للنفس بها تحصل الإدراكات العقليّة ، ويشبه أن يكون أصل الإنسان : أنس وهو الأنيس ، والألف والنون في أصل لحوقها له للتثنية ، وذلك لأنّ الأنس أمر نسبيّ لا يتحقّق إلَّا بين شيئين فصاعدا ، ولمّا كان كلّ واحد من النّاس