يقال : إنّ وقوفها بقدرة الصانع الحكيم القادر المختار .
وإن قلت : قوله تعالى : تَرَوْنَها ، يفهم منه أنّ هناك عمد ولكنّها غير مرئيّة لنا وذلك ينافي سلبه عليه السّلام للعمد مطلقا .
قلت : الجواب عنه من وجوه ( 90 ) :
أحدها ، أنّه يحتمل أن يكون قوله : ترونها كلاما مستأنفا والتقدير بغير عمد وأنتم ترونها كذلك .
الثّاني ، يحتمل أن يكون في الكلام تقديم وتأخير كما نقل عن الحسن البصري أنّه قال : التقدير ترونها بغير عمد .
الثالث ، وهو الألطف ما ذكره الإمام فخر الدّين رحمه اللَّه فقال : إنّ العماد هو ما يعمد عليه والسّماوات متعمدة وقائمة على قدرة اللَّه تعالى فكانت هي العمد الَّتي لا ترى وذلك لا ينافي كلامه عليه السّلام .
الرابع ، وهو الأحقّ ما ذكرته وهو أنّه قد ثبت في أصول الفقه : أنّ تخصيص الشيء بحكم لا يدلّ على أنّ حكم غيره بخلاف ذلك الحكم ، فتخصيص العمد المرئيّة للسّماوات بالسلب لا يستلزم ثبوت العمد غير المرئيّة لها .
الثالثة الثواقب
، استعارة في الأصل للشهب عن الأجسام الَّتي تثقب جسما آخر وتنفذ فيه ، ووجه المشابهة الَّتي لأجلها سمّي الشهاب ثاقبا لأنّه يثقب بنوره الهواء كما يثقب جسم آخر ( جسما ) لكنّه لكثرة الاستعمال فيه صار إطلاقه عليه حقيقة أو قريبا منها .
الرابعة ، قوله : سراجا مستطيرا
، استعارة للشّمس ووجه المشابهة أنّ السّراج القويّ المستطير لمّا كان من شأنه أن يضئ ما حوله وينتشر في جميع نواحي البيت ويهتدي به من الظلمة ، كذلك الشّمس مضيئة لهذا العالم ويهتدي بها المتصرّف فيه .
هامش
( 90 ) قوله : الجواب عنه من وجوه .
انظر في تلك الوجوه « التفسير الكبير » للفخر الرّازي في سورة الرّعد الآية 2 ، ج 18 ، ص 232 .