قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِه ِ مَدَداً [ سورة الكهف : 109 ] .
وبقوله :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّه ُ مِنْ بَعْدِه ِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّه ِ إِنَّ اللَّه َ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ سورة لقمان : 27 ] .
لأنّ هذا لو كان إشارة إلى كلمات القرآن أو التّوراة والإنجيل وغير ذلك من الكتب بزعم المفسّرين لم يقل في أوصافها هذا ، ولا بالغ في كثرتها هذه المبالغة ، لأنّ كلمات القرآن ، أو كلمات أيّ كتاب من كتب اللَّه المنزّلة يفرض ، تنفد بأوقية من المداد أو أكثر أو أقلّ ، وأمّا كلمات هذين الكتابين الَّتي هي عبارة عن حقايق الموجودات وماهيّاتها وأعيانها ، أو المركّبات الخارجيّة منها ، روحانيّة كانت أو جسمانيّة ، فإنّه لا يمكن انفادها وانتهاءها لأنّها غير متناهية باتفاق المحققين كما سبق ذكرها أيضا ، وسيجئ بيانها في المقدّمة الرّابعة مبسوطا ، لأنّا قد بيّنا عند تعريف التّأويل وكيفيّة قراءة هذه الكتب ، أنّ حروف الكتاب الآفاقي هي مفردات العالم بأسرها وهي بمثابة مفردات الحروف وبسائطها ، وأنّ كلماته مركّبات العالم بأجمعها وهي بمثابة كلمات القرآن ومركّباته ، وأنّ آياته كليّات العالم على حسب طبقاتها وهي بمثابة آيات القرآن وكليّاته ، وبيّنّا أنّ الإنسان صورة إجمال هذا الكتاب وتفصيله ، ومفردات نفسه وبسائطه بمثابة مفردات العالم ، وبسائطه ومركباته بمثابة كلماته ، وكليّاته بمثابة آياته حذو النعل بالنعل والقذة بالقذ ، كما عرفته مفصّلا في صورة الدائرة ، وقبل الدائرة ، وكما ستعرفه في هذه المقدّمة ، وبيّنّا أنّ القرآن صورة تفصيل هذين الكتابين واجمالهما صورة ومعنى فحينئذ كما يصدق على القرآن أنّه كتاب إلهيّ ومصحف ربّانيّ يصدق على الآفاق المسمّى بالعالم انّه كتاب إلهي ومصحف ربّانيّ ، وكذلك على الإنسان المعبر عنه بالأنفس لأنّه أيضا كتاب إلهي ومصحف ربّانيّ ، وهذا هو المطلوب من هذا البحث ، وإذا تقرّر هذا .
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 17
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص١٧