تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
فإذا عيّن مثل هؤلاء الجماعة وسمّاهم أنبياء ورسلا وبعثهم إلى الخلق والمكلَّفين من العباد وأمرهم بالدّعوة والإرشاد مشتملا على البشارة والإنذار وعلى اللَّطف والقهر من حضرة الملك الجبّار ، لقوله : مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه ِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ سورة النساء : 165 ] .

( لا بدّ مع بعثة النّبي بالأمرين : إظهار المعجزة وإنزال الكتاب )

فحينئذ لا بد له من شيئين آخرين : الأوّل إظهار معجزات وكرامات على أيديهم وألسنتهم تكون موجبة لتصديقهم وعدم تكذيبهم بأنّهم رسل من عند اللَّه ، لأنّه لو لم يفعل ذلك لم يحصل غرضه ويقع فعله عبثا كما مرّ ، لأنّ النّاس إذا لم يكن لهم وقوف بقول هؤلاء الجماعة وأفعالهم لا يلتفتون إليهم ولا يقبلون قولهم في شيء أصلا كما أخبر اللَّه تعالى في قوله مفصلا : وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً ، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً [ سورة الأسراء : 90 - 91 ] . إلى آخر الآيات . ومعلوم أنّ مع الإنكار والجحود لا يحصل الإقرار والشّهود ، ومن هذا قلنا يجب عليه تعالى إظهار أمثال ذلك على أيديهم وألسنتهم ، لكي يقبلوا قولهم ويعرفوا قدرهم ويقوموا بالأمر على ما ينبغي ، لأنّه فرق كثير بين شخص يرى مثل هذا منهم حسا ومشافهة وبين شخص ما يرى منهم شيء من هذا لا حسّا ولا مشافهة ، لأنّ المحسوسات لها حظَّ كثير في إدراك المعقولات ، لأن كل عاقل يكون في دركه كاملا يعرف حقيقة أنّ اللَّه تعالى لا يظهر المعجز على هذا الكذّاب والسّاحر والكاهن ، لأنّ هذا يكون من قبيل إغراء الخلق وإغوائهم ، وهذا عليه تعالى محال عقلا ونقلا . وإذا عرف هذا فلا بدّ وأن يقبل معجزتهم خصوصا إذ كانت المعجزة مع التّحدّي فلهذا شرط في المعجزة التّحدّي ولو لم يشرط ذلك في الكرامات وغيرها