تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
كما أشار بالنسبة إلى الأنبياء الكبار مثل موسى وعيسى وداود ونبيّنا صلى اللَّه عليهم وعلى أرواحهم وأجسادهم ، وهو قوله في خطبة له في نهج البلاغة : « ولقد كان في رسول اللَّه ( ص ) كاف لك في الأسوة ، ودليل لك على ذمّ الدنيا وعيبها ، وكثرة مخازيها ومساويها ، إذ قبضت عنه أطرافها ، ووطَّئت لغيره أكنافها ، وفطم من رضاعها ، وزوى عن زخارفها . وإن شئت ثنيت بموسى كليم اللَّه صلوات اللَّه وسلامه عليه ، حيث يقول : ربّ إني لما أنزلت إلى من خير فقير . واللَّه ما سأله إلا خبزا يأكله ، لأنه كان يأكل بقلة الأرض ، ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشذّب لحمه . وإن شئت ثلَّثت بداود صاحب المزامير ( ص ) ، وقارئ أهل الجنة ، فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده ، ويقول لجلسائه : أيّكم يكفيني بيعها ؟ ويأكل قرص الشعير من ثمنها . وإن شئت قلت في عيسى بن مريم ( ع ) ، فلقد كان يتوسّد الحجر ، ويلبس الخشن ، ويأكل الجشب ، وكان إدامه الجوع ، وسراجه بالليل القمر ، وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها ، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم ، ولم تكن له زوجة تفتنه ، ولا ولد يحزنه ، ولا مال يلفته ، ولا طمع يذلَّه ، دابّته رجلاه ، وخادمه يداه . فتأسّ بنبيّك الأطيب الأطهر ( ص ) ، فإن فيه أسوة لمن تأسّى ، وعزاء لمن تعزّى ، وأحب العباد إلى اللَّه المتأسّي بنبيّه ، والمقتصّ لأثره ، قضم الدنيا قضما ، ولم يعرها طرفا ، أهضم أهل الدنيا كشحا ، وأخمصهم من الدنيا بطنا ، إلى قوله : فإن اللَّه جعل محمّدا ( ص ) علما للساعة ، ومبشّرا بالجنة ، ومنذرا بالعقوبة ، خرج من الدنيا خميصا ، وورد الآخرة سليما ، لم يضع حجرا على حجر حتى مضى لسبيله ، وأجاب داعي ربّه ، فما أعظم منّة اللَّه عندنا حين أنعم علينا به سلفا نتّبعه ، وقائدا نطأ عقبه ، واللَّه لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها ، ولقد قال لي قائل :