وقد صقل ثقافته العربية تجواله في البادية ، وتطوافه في الجزيرة أول نشأته
محاولا تجديد ما فيه من أخلاق العروبة وتقاليدها ، حتى طبع نفسه بذلك الطابع
العربي الناصع وجدد ما فيه من روح ودم ، ولمّا عاد إلى الكوفة تردد على المكتبات
العامة ودكاكين الوراقين ، تلك الحوانيت الغاصة بالورق الصيني والتهامي
والخراساني والقرطاس المصري والجلود والصكاك ، التي حفظت علوم العرب
ونتاجهم العقلي .
وقد كان غاية في الحفظ ، كما تشعر بذلك قصته في حانوت أحد الوراقين
عندما استعرض من أحد الدلالين كتاباً من كتب الأصمعي ( 1 ) .
هامش
1 - كان المتنبي جالساً عند أحد الوراقين فأحضر رجل كتاباً من كتب الأصمعي نحو ثلاثين
ورقة ليبيعه ، فأخذه المتنبي وأطال النظر فيه ، فقال له الرجل : يا هذا أريد بيعه وقد قطعتني
عن ذلك فان كنت تريد حفظه من هذه المدة فبعيد . فقال له المتنبي ، ان كنت حفظته فمالي
عليك ؟
قال : أهب لك الكتاب . فأخذ الوراق الكتاب من يده وأقبل المتنبي يتلوه على الوراق إلى
آخره ، ثم استلبه وجعله في كمّه وقام . فعلق به صاحبه وطالبه بالثمن ، فقال له المتنبي : ما
إلى ذلك سبيل قد وهبته لي . قال الوراق : فمنعناه منه وقلنا له : أنت شرطت على نفسك هذا
للغلام ، فتركه .