وسورة البقرة تضمنت قواعد الدين ، وآل عمران مكملة لمقصودها ; فالبقرة بمنزلة إقامة
الدليل على الحكم ، وآل عمران بمنزلة الجواب عن شبهات الخصوم ; ولهذا قرن فيها
ذكر المتشابه من بظهور الحجة والبيان ; فإنه نزل أولها في آخر الأمر لما قدم
وفد نجران النصارى ، وآخرها يتعلق بيوم أحد . والنصارى تمسكوا بالمتشابه ، فأجيبوا عن
شبههم بالبيان . ويوم أحد تمسك الكفار بالقتال فقوبلوا بالبيان ، وبه يعلم الجواب
لمن تتبع المتشابه من القول والفعل . وأوجب الحج في آل عمران ، وأما في البقرة فذكر أنه
مشروع وأمر بتمامه بعد الشروع فيه ، ولهذا ذكر البيت والصفا والمروة . وكان خطاب النصارى
في آل عمران أكثر ، كما أن خطاب اليهود في البقرة أكثر ; لأن التوراة أصل والإنجيل
فرع لها ، والنبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة دعا اليهود وجاهدهم ، وكان جهاده للنصارى
في آخر الأمر ; كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب ; ولهذا كانت السور المكية فيها
الدين الذي اتفق عليه الأنبياء ، فخوطب بها جميع الناس والسور المدنية فيها خطاب من أقر بالأنبياء
من أهل الكتاب والمؤمنين ، فخوطبوا : يا أهل الكتاب ، يا بني إسرائيل .
وأما سورة النساء فتتضمن جميع أحكام الأسباب التي بين الناس ; وهي نوعان : محلوقة
لله تعالى ، ومقدورة لهم ; كالنسب والصهر ، ولهذا افتتحها الله بقوله : * ( ربكم الذي خلقكم
من نفس واحدة وخلق منها زوجها ) * ثم قال : * ( واتقوا الله الذي تساءلون به
والأرحام ) * ; وبين الذين يتعاهدون ويتعاقدون فيما بينهم ; وما تعلق بذلك من أحكام
الأموال والفروج والمواريث . ومنها العهود التي حصلت بالرسالة ، والتي أخذها الله
على الرسل .
وأما المائدة فسورة العقود ، وبهن تمام الشرائع ; قالوا : وبها تم الدين ، فهي سورة
البرهان — صفحة 261
مساهمون: الزركشي
ص٢٦١