ما يفضى إلى العلم غالبا ، وليس التعلم مطاوعا إلا لمعناه الحقيقي . قال رحمه الله : وبذلك يندفع ما يقال إن المتأثر إن
كان مختارا لم يجب أن يكون مطاوعا موافقا لأصله وإن لم يكن مختارا وجب ، نعم قد كثر في قسم المختار استعمال
الأصل في معناه مجازا ، أعني توجيه ما يقضى إلى الفعل غالبا . وقيل في جواب النقض بالائتمار أن قضية الأمر لغة
أن لا يثبت إلا بالامتثال ، لكن منع من ذلك لزوم الخبر وسقوط الاختبار فيتخلف عنه لمانع مخصوص ، وفيه
أن هذا المانع موجود في الاهتداء فيتخلف عن الهدى ، وعورضت الوجوه الثلاثة بقوله تعالى - وأما ثمود فهديناهم -
وأجيب بأنه مجاز عن إزاحة العلل وإفاضة أسباب الاهتداء بقرينة قوله تعالى - فاستحبوا العمى على الهدى - أي آثروه
عليه ولولاها لتبادر منه الإيصال . ورد بأن الأصل الحقيقة . ودفع بأنه لولا تلك القرينة وما أشبهها تبادر منه غير
ذلك المعنى وهو كونه غير مجاز فيه ، هذا وأما قوله ويقال مهدى وقوله ولأن اهتدى فمعطوفان على قوله بدليل
وقوع الضلالة بحسب المعنى : أي لأن الضلالة واقعة في مقابلته ولأنه يقال ولأن اهتدى ( قوله فلم قيل ) الفاء
مؤذنة بالاستنكار : أي ما ذكرتم في تفسير الهدى يقتضى أن يكون هدى للمتقين دالا على تحصيل الحاصل ، كأنه
قيل دلالة موصلة إلى المطلوب للمتقين الواصلين إليه ، ولو فسر الهدى بالدلالة على ما يوصل إليه كان هناك
محذور آخر ، وهو أن تعلقه بالمتقين عار من الفائدة ، فإن من اهتدى إلى المقصود كانت دلالته على ما يوصل إليه
لغوا قوله هو كقولك ) يعنى أريد بالهدى زيادة الهدى إلى مطالب أخرى غير حاصلة والتثبت على ما كان حاصلا
كما في قوله تعالى - اهدنا - أو أريد بالمتقين المشارفون للتقوى ، والأول هو المختار الملائم لنظم القرآن ، وستأتي
إشارة إليه فقدمه لذلك ولئلا يفصل به بين الثاني الثاني وما يتفرع عليه من السؤال الآتي . لا يقال : قد سبق أن الهدى
في التثبت مجازا قطعا وفى الزيادة حقيقة أو مجاز فكيف جمع بينهما ههنا ؟ لأنا نقول : لم يرد أن اللفظ مستعمل فيهما معا
بل في الزيادة فقط ، والتثبت لازم تبعا وإن صلح أن يجعل مقصودا بنفسه ويستعمل اللفظ فيه وحده . فإن قلت :
نحو قولك أعزك الله وأكرمك يحتاج إلى التأويل المذكور ، فإنه طلب مختص بالاستقبال ، ولو لم يؤول لزم طلب
تحصيل الحاصل ، وأما - هدى للمتقين - فلا حاجة فيه إلى التأويل أصلا ، إذ لا دلالة على زمان قطعا بل معناه
هدى للمتقين المهتدين بذلك الهدى فلا إشكال . ألا ترى أنك إذا قلت : السلاح عصمة للمعتصم على معنى أنه
الحاشية على الكشاف — صفحة 117
مساهمون: علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني
ص١١٧