تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير . ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون . اعلموا أن الله يحيى الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون . إن المصدقين
شرح
( وغرتكم الأماني ) طوال الآمال والطمع في امتداد الأعمار ( حتى جاء أمر الله ) وهو الموت ( وغركم بالله الغرور ) وغركم الشيطان بأن الله عفو كريم لا يعذبكم . وقرئ الغرور بالضم ( فدية ) ما يفتدى به ( هي مولاكم ) قيل هي أولى بكم ، وأنشد قول لبيد : فغدت كلا الفرجين تحسب أنه * مولى المخافة خلفها وأمامها وحقيقة مولاكم محراكم ومقمنكم : أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم : أي مكان لقول القائل إنه لكريم ، ويجوز أن يراد هي ناصركم : أي لا ناصر لكم غيرها ، والمراد نفى الناصر على البتات ونحوه قولهم أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع ، ومنه قوله تعالى - يغاثوا بماء كالمهل - وقيل تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار ( ألم يأن ) من أنى الأمر يأنى إذا جاء إناه : أي وقته . وقرئ ألم يئن من آن يئين بمعنى أنى يأنى وألما يأن . قيل كانوا مجدبين بمكة ، فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه فنزلت . وعن ابن مسعود : ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن . وعن الحسن رضي الله عنه : أما والله لقد استبطأهم وهم يقرءون من القرآن أقل مما تقرأون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسق . وعن أبي بكر رضي الله عنه أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة ، فبكوا بكاء شديدا ، فنظر إليهم فقال : هكذا كنا حتى قست القلوب . وقرئ نزل ونزل وأنزل ( ولا يكونوا ) عطف على تخشع ، وقرئ بالتاء على الالتفات . ويجوز أن يكون نهيا لهم عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب بعد أن وبخوا ، وذلك أن بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم ، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم ، فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره . فإن قلت : ما معنى لذكر الله وما نزل من الحق ؟ قلت : يجوز أن يراد بالذكر وبما نزل من الحق القرآن لأنه جامع للأمرين للذكر والموعظة وأنه حق نازل من السماء ، وأن يراد خشوعها إذا ذكر الله وإذا تلى القرآن كقوله تعالى - إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا - أراد بالأمد الأجل كقوله إذا انتهى أمده . وقرئ الأمد : أي الوقت الأطول ( وكثير منهم فاسقون ) خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين ( اعلموا أن الله يحيى الأرض بعد موتها ) قيل هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب وأنه يحييها كما يحيى الغيث الأرض ( المصدقين ) المتصدقين ، وقرئ على الأصل والمصدقين من صدق وهم الذين صدقوا الله ورسوله يعنى المؤمنين . فإن قلت :