وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية
ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير . ألم يأن للذين
آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا
الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون . اعلموا
أن الله يحيى الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون . إن المصدقين
شرح
( وغرتكم الأماني ) طوال الآمال والطمع في امتداد الأعمار ( حتى جاء أمر الله ) وهو الموت ( وغركم بالله
الغرور ) وغركم الشيطان بأن الله عفو كريم لا يعذبكم . وقرئ الغرور بالضم ( فدية ) ما يفتدى به ( هي مولاكم )
قيل هي أولى بكم ، وأنشد قول لبيد :
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه * مولى المخافة خلفها وأمامها
وحقيقة مولاكم محراكم ومقمنكم : أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم : أي
مكان لقول القائل إنه لكريم ، ويجوز أن يراد هي ناصركم : أي لا ناصر لكم غيرها ، والمراد نفى الناصر على البتات
ونحوه قولهم أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع ، ومنه قوله تعالى - يغاثوا بماء كالمهل - وقيل تتولاكم كما توليتم
في الدنيا أعمال أهل النار ( ألم يأن ) من أنى الأمر يأنى إذا جاء إناه : أي وقته . وقرئ ألم يئن من آن يئين بمعنى أنى
يأنى وألما يأن . قيل كانوا مجدبين بمكة ، فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه فنزلت .
وعن ابن مسعود : ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين . وعن ابن عباس رضي الله عنهما :
إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن . وعن الحسن رضي الله عنه : أما
والله لقد استبطأهم وهم يقرءون من القرآن أقل مما تقرأون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسق .
وعن أبي بكر رضي الله عنه أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة ، فبكوا بكاء شديدا ، فنظر
إليهم فقال : هكذا كنا حتى قست القلوب . وقرئ نزل ونزل وأنزل ( ولا يكونوا ) عطف على تخشع ، وقرئ
بالتاء على الالتفات . ويجوز أن يكون نهيا لهم عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب بعد أن وبخوا ، وذلك أن
بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم ، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم ، فلما
طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره . فإن قلت :
ما معنى لذكر الله وما نزل من الحق ؟ قلت : يجوز أن يراد بالذكر وبما نزل من الحق القرآن لأنه جامع للأمرين
للذكر والموعظة وأنه حق نازل من السماء ، وأن يراد خشوعها إذا ذكر الله وإذا تلى القرآن كقوله تعالى - إذا ذكر الله
وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا - أراد بالأمد الأجل كقوله إذا انتهى أمده . وقرئ الأمد :
أي الوقت الأطول ( وكثير منهم فاسقون ) خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين ( اعلموا أن الله يحيى
الأرض بعد موتها ) قيل هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب وأنه يحييها كما يحيى الغيث الأرض ( المصدقين )
المتصدقين ، وقرئ على الأصل والمصدقين من صدق وهم الذين صدقوا الله ورسوله يعنى المؤمنين . فإن قلت :