لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين * أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت
أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون
* ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون * واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون
لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون * فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون
وما يعلنون * أو لم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة
شرح
الله تعالى يوعظ به الإنس والجن كما قال - إن هو إلا ذكر للعالمين - وما هو إلا قرآن كتاب سماوي يقرأ في المحاريب
ويتلى في المتعبدات وينال بتلاوته والعمل بما فيه فوز الدارين ، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين
( لينذر ) القرآن أو الرسول . وقرئ لتنذر بالتاء ولينذر من نذر به إذا علمه ( من كان حيا ) أي عاقلا متأملا لان
الغافل كالميت أو معلوما منه أنه يؤمن فيحيا بالايمان ( ويحق القول ) وتجب كلمة العذاب ( على الكافرين ) الذين
لا يتأملون ولا يتوقع منهم الايمان ( ومما عملت أيدينا ) مما تولينا نحن إحداثه ولم يقدر على توليه غيرنا ، وإنما قال ذلك
لبدائع الفطرة والحكمة فيها التي لا يصح أن يقدر عليها إلا هو ، وعمل الأيدي استعارة من عمل من يعملون بالأيدي
( فهم لها مالكون ) أي خلقناها لأجلهم فملكناها إياهم فهم متصرفون فيها تصرف الملاك مختصون بالانتفاع فيها
لا يزاحمون ، أو فهم لها ضابطون قاهرون من قوله :
أصبحت لا أحمل السلاح ولا * أملك رأس البعير إن نفرا
أي لا أضبطه ، وهو من جملة النعم الظاهرة ، وإلا فمن كان يقدر عليها لولا تذليله وتسخيره لها كما قال القائل :
يصرفه الصبي بكل وجه * ويحبسه على الخسف الجرير
وتضربه الوليدة بالهراوي * فلا غير لديه ولا نكير
ولهذا ألزم الله سبحانه الراكب أن يشكر هذه النعمة ويسبح بقوله - سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له
مقرنين - وقرئ ركوبهم وركوبتهم وهما ما يركب كالحلوب والحلوبة ، وقيل الركوبة جمع . وقرئ ركوبهم : أي
ذو ركوبهم ، أو فمن منافعها ركوبهم ( منافع ) من الجلود والأوبار والأصواف وغير ذلك ( ومشارب ) من اللبن
ذكرها مجملة وقد فصلها في قوله تعالى - وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا - الآية ، والمشارب جمع مشرب وهو
موضع الشرب أو الشرب . اتخذوا الألهة طمعا في أن يتقووا بهم ويعتضدوا بمكانهم والامر على عكس ما قدروا
حيث هم جند لآلهتهم معدون ( محضرون ) يخمونهم ويذبون عنهم ويغضبون لهم والألهة لا استطاعة بهم ولا
قدرة على النصر ، أو اتخذوهم لينصروهم عند الله ويشفعوا لهم ، والامر على خلاف ما توهموا حيث هم يوم القيامة
جند معدون لهم محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقودا للنار . وقرئ فلا يحزنك بفتح الياء وضمها من حزنه وأحزنه
والمعنى : فلا يهمنك تكذيبهم وأذاهم وجفاؤهم فإنا عالمون بما يسرون لك من عداوتهم ( وما يعلنون ) وإنا مجازوهم
عليه ، فحق مثلك أن يتسلى بهذا الوعيد ويستحضر في نفسه صورة حاله وحالهم في الآخرة حتى ينقشع عنه الهم