هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع
لدينا محضرون فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون * إن
أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون
شرح
يعدون بكسر السين وضمها وهي النفخة الثانية . قرئ يا ويلتنا . وعن ابن مسعود رضي الله عنه : من أهبنا من
هب من نومه إذا انتبه وأهبه غيره . وقرئ من هبنا بمعنى أهبناه وعن بعضهم : أراد هب بنا فحذف الجار وأوصل
الفعل . وقرئ من بعثنا ومن هبنا على من الجارة والمصدر ، و ( هذا ) مبتدأ ، و ( ما وعد ) خبره وما مصدرية
أو موصولة ، ويجوز أن يكون هذا صفة للمرقد وما وعد خبر مبتدأ محذوف : أي هذا وعد الرحمن ، أو مبتدأ
محذوف الخبر : أي ما وعد ( الرحمن وصدق المرسلون ) حق ، وعن مجاهد : للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم ،
فإذا صيح بأهل القبور قالوا من بعثنا ، وأما - هذا ما وعد الرحمن - فكلام الملائكة . عن ابن عباس وعن الحسن :
كلام المتقين . وقيل كلام الكافرين يتذكرون ما سمعوه من الرسل فيجيبون به أنفسهم أو بعضهم بعضا . فإن قلت :
إذا جعلت ما مصدرية كان المعنى : هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد
والصدق فما وجه قوله - وصدق المرسلون - إذا جعلتها موصولة ؟ قلت : تقديره هذا الذي وعده الرحمن والذي
صدقه المرسلون بمعنى والذي صدق فيه المرسلون من قولهم صدقوهم الحديث والقتال ، ومنه : صدقني سن بكره .
فإن قلت : من بعثنا من مرقدنا سؤال عن الباعث فكيف طابقه ذلك جوابا ؟ قلت : معناه بعثكم الرحمن الذي وعدكم
البعث وأنبأكم به الرسل إلا أنه جئ به على طريقة سيئت بها قلوبهم ونعيت إليهم أحوالهم وذكروا كفرهم وتكذيبهم
وأخبروا بوقوع ما أنذروا به ، وكأنه قيل لهم : ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى يهمكم
السؤال عن الباعث ، إن هذا هو البعث الأكبر ذو الأهوال والافزاع ، وهو الذي وعده الله في كتبه المنزلة على
ألسنة رسله الصادقين ( إلا صيحة واحدة ) قرئت منصوبة ومرفوعة ( فاليوم لا تظلم نفس شيئا . . . إن أصحاب الجنة
اليوم في شغل ) حكاية ما يقال لهم في ذلك اليوم وفي مثل هذه الحكاية زيادة تصوير للموعود وتمكين له في
النفوس وترغيب في الحرص عليه وعلى ما يثمره في شغل : في أي شغل ، وفي شغل لا يوصف وما ظنك بشغل
من سعد بدخول الجنة التي هي دار المتقين ووصل إلى نيل تلك الغبطة وذلك الملك الكبير والنعيم المقيم ، ووقع
في تلك الملاذ التي أعدها الله للمرتضين من عباده ثوابا لهم على أعمالهم مع كرامة وتعظيم ، وذلك بعد الوله والصبابة