من بعده وهو العزيز الحكيم * يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من
خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض
شرح
ترك لدلالته عليه ، وأن يكون مطلقا في كل ما يمسكه من غضبه ورحمته ، وإنما فسر الأول دون الثاني للدلالة على
أن رحمته سبقت غضبه . فإن قلت : فما تقول فيمن فسر الرحمة بالتوبة وعزاه إلى ابن عباس رضي الله عنهما ؟
قلت : إن أراد بالتوبة الهداية لها والتوفيق فيها وهو الذي أراده ابن عباس رضي الله عنهما إن قاله فمقبول ، وإن
أراد أنه شاء أن يتوب العاصي تاب ، وإن لم يشأ لم يتب فمردود لان الله تعالى يشاء التوبة أبدا ، ولا يجوز عليه
أن لا يشاءها ( من بعده ) من بعد إمساكه كقوله تعالى - فمن يهديه من بعد الله - فبأي حديث بعد الله - أي من بعد
هدايته وبعد آياته ( وهو العزيز ) الغالب القادر على الارسال والامساك ( الحكيم ) الذي يرسل ويمسك ما تقتضى
الحكمة وإرساله وإمساكه . ليس المراد بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط ولكن به وبالقلب وحفظها من الكفران
والغمط وشكرها بمعرفة حقها والاعتراف بها وطاعة موليها ، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه : أذكر أيادي عندك ،
يريد حفظها وشكرها والعمل على موجبها ، والخطاب عام للجميع لان جميعهم مغمورون في نعمة الله . وعن ابن
عباس رضي الله عنهما يريد أهل مكة - اذكروا نعمة الله عليكم - حيث أسكنكم حرمه ومنعكم من جميع العالم
والناس يتخطفون من حولكم . وعنه : نعمة الله العافية . وقرئ غير الله وبالحركات الثلاث ، فالجر والرفع على
الوصف لفظا ومحلا والنصب على الاستثناء . فإن قلت : ما محل ( يرزقكم ) ؟ قلت : يحتمل أن يكون له محل إذا
أوقعته صفة الخالق ، وأن لا يكون له محل إذا رفعت محل من خالق بإضمار يرزقكم وأوقعت يرزقكم تفسيرا له أو
جعلته كلاما مبتدأ بعد قوله - هل من خالق غير الله - . فإن قلت : هل فيه دليل على أن الخالق لا يطلق على غير الله
تعالى ؟ قلت : نعم إن جعلت يرزكم كلاما مبتدأ وهو الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة ، وأما على الوجهين
الآخرين وهما الوصف والتفسير فقد تقيد فيهما بالرزق من السماء والأرض وخرج من الاطلاق ، فكيف