تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
من بعده وهو العزيز الحكيم * يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض
شرح
ترك لدلالته عليه ، وأن يكون مطلقا في كل ما يمسكه من غضبه ورحمته ، وإنما فسر الأول دون الثاني للدلالة على أن رحمته سبقت غضبه . فإن قلت : فما تقول فيمن فسر الرحمة بالتوبة وعزاه إلى ابن عباس رضي الله عنهما ؟ قلت : إن أراد بالتوبة الهداية لها والتوفيق فيها وهو الذي أراده ابن عباس رضي الله عنهما إن قاله فمقبول ، وإن أراد أنه شاء أن يتوب العاصي تاب ، وإن لم يشأ لم يتب فمردود لان الله تعالى يشاء التوبة أبدا ، ولا يجوز عليه أن لا يشاءها ( من بعده ) من بعد إمساكه كقوله تعالى - فمن يهديه من بعد الله - فبأي حديث بعد الله - أي من بعد هدايته وبعد آياته ( وهو العزيز ) الغالب القادر على الارسال والامساك ( الحكيم ) الذي يرسل ويمسك ما تقتضى الحكمة وإرساله وإمساكه . ليس المراد بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط ولكن به وبالقلب وحفظها من الكفران والغمط وشكرها بمعرفة حقها والاعتراف بها وطاعة موليها ، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه : أذكر أيادي عندك ، يريد حفظها وشكرها والعمل على موجبها ، والخطاب عام للجميع لان جميعهم مغمورون في نعمة الله . وعن ابن عباس رضي الله عنهما يريد أهل مكة - اذكروا نعمة الله عليكم - حيث أسكنكم حرمه ومنعكم من جميع العالم والناس يتخطفون من حولكم . وعنه : نعمة الله العافية . وقرئ غير الله وبالحركات الثلاث ، فالجر والرفع على الوصف لفظا ومحلا والنصب على الاستثناء . فإن قلت : ما محل ( يرزقكم ) ؟ قلت : يحتمل أن يكون له محل إذا أوقعته صفة الخالق ، وأن لا يكون له محل إذا رفعت محل من خالق بإضمار يرزقكم وأوقعت يرزقكم تفسيرا له أو جعلته كلاما مبتدأ بعد قوله - هل من خالق غير الله - . فإن قلت : هل فيه دليل على أن الخالق لا يطلق على غير الله تعالى ؟ قلت : نعم إن جعلت يرزكم كلاما مبتدأ وهو الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة ، وأما على الوجهين الآخرين وهما الوصف والتفسير فقد تقيد فيهما بالرزق من السماء والأرض وخرج من الاطلاق ، فكيف