بين يدي عذاب شديد * قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو
على كل شئ شهيد قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب قل جاء الحق وما
يبدئ الباطل وما يعيد * قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما
يوحي إلي ربي إنه
شرح
طريقة النظر في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويجوز أن يكون المعنى : ثم تتفكروا فتعلموا - ما بصاحبكم
من جنة - وقد جوز بعضهم أن تكون ما استفهامية ( بين يدي عذاب شديد ) كقوله عليه الصلاة والسلام " بعثت
في نسم الساعة " ( فهو لكم ) جزاء الشرط الذي هو قوله - ما سألتكم من أجر - تقديره - اي شئ سألتكم من أجر
فهو لكم كقوله تعالى - ما يفتح الله للناس من رحمة - وفيه معنيان : أحدهما نفي مسألة الاجر رأسا كما يقول الرجل
لصاحبه إن أعطيتني شيئا فخذه وهو يعلم أنه لم يعطه شيئا ولكنه يريد به البت لتعليقه الاخذ بما لم يكن ، والثاني أن
يريد بالاجر ما أراد في قوله تعالى - قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا - وفي قوله - قل
لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى - لان اتخاذ السبيل إلى الله نصيبهم وما فيه نفعهم ، وكذلك المودة في القرابة
لان القرابة قد انتظمته وإياهم ( على كل شئ شهيد ) حفيظ مهيمن يعلم أني لا أطلب الاجر على نصيحتكم ودعائكم
إليه إلا منه ولا أطمع منكم في شئ . القذف والرمي تزجية السهم ونحوه بدفع واعتماد ويستعاران من حقيقتهما
لمعنى الالقاء ، ومنه قوله تعالى - وقذف في قلوهم الرعب - أن اقذفيه في التابوت - ومعنى ( يقذف بالحق ) يلقيه
وينزله إلى أنبيائه ، أو يرمى به الباطل فيدمغه ويزهقه ( علام الغيوب ) رفع محمول على محل إن واسمها ، أو على
المستكن في يقذف ، أو هو خبر مبتدأ محذوف . وقرئ بالنصب صفة لربي أو على المدح . وقرئ الغيوب
بالحركات الثلاث فالغيوب كالبيوت ، والغيوب كالصبور وهو الامر الذي غاب وخفى جدا . والحي إما أن
يبدئ فعلا أو يعيده ، فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة ، فجعلوا قولهم لا يبدئ ولا يعيد مثلا في هلاك ، ومنه
قول عبيد :
أقفر من أهله عبيد * فاليوم لا يبدي ولا يعيد
والمعنى : جاء الحق وهلك الباطل كقوله تعالى - جاء الحق وزهق الباطل - وعن ابن مسعود رضي الله عنه
" دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما ، فجعل يطعنها بعود نبعة ويقول - جاء الحق
وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد - " والحق القرآن ، وقيل الاسلام ،
وقيل السيف ، وقيل الباطل إبليس لعنه الله : أي ما ينشئ خلقا ولا يعيده ، المنشئ والباعث هو الله تعالى . وعن
الحسن : لا يبدئ لأهله خيرا ولا يعيده : أي لا ينفعهم في الدنيا والآخرة . وقال الزجاج : أي شئ ينشئ
إبليس ويعيده فجعله للاستفهام . وقيل للشيطان الباطل لأنه صاحب الباطل أو لأنه هالك كما قيل له الشيطان من
شاط إذا هلك . قرئ ضللت أضل بفتح العين مع كسرها ، وضللت أضل بكسرها مع فتحها وهما لغتان نحو ظللت
أضل وظلتت أظل وقرئ إضل بكسر الهمزة مع فتح العين . فإن قلت : أين التقابل بين قوله - فإنما أضل على