وكان بالمؤمنين رحيما * تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما يا أيها
النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا
وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا * ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل
على الله وكفى بالله وكيلا * يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم
شرح
المعصية إلى نور الطاعة ( وكان بالمؤمنين رحيما ) دليلا على أن المراد بالصلاة الرحمة ، ويروى أنه لما نزل قوله تعالى
- إن الله وملائكته يصلون على النبي - قال أبو بكر رضي الله عنه : ما خصك الله يا رسول الله بشرف إلا وقد أشركنا
فيه فأنزلت ( تحيتهم ) من إضافة المصدر إلى المفعول : أي يحيون يوم لقائه بسلام فيجوز أن يعظمهم الله بسلامه
عليهم كما يفعل بهم سائر أنواع التعظيم وأن يكون مثلا كاللقاء على ما فسرناه . وقيل هو سلام ملك الموت والملائكة
معه عليهم وبشارتهم بالجنة ، وقيل سلام الملائكة عند الخروج من القبور ، وقيل عند دخول الجنة كما قال - والملائكة
يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم - . والاجر الكريم : الجنة ( شاهد ) على من بعثت إليهم وعلى تكذيبهم
وتصديقهم : أي مقبولا قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم . فإن قلت : وكيف كان
شاهدا وقت الارسال وإنما يكون شاهدا عند تحمل الشهادة أو عند أدائها ؟ قلت : هي حال مقدرة كمسألة الكتاب
مررت برجل معه صقر صائدا به غدا : أي مقدرا به الصيد غدا . فإن قلت : قد فهم من قوله إنا أرسلناك داعيا
أنه مأذون له في الدعاء فما فائدة قوله ( بإذنه ) ؟ قلت : لم يرد به حقيقة الاذن ، وإنما جعل الاذن مستعارا للتسهيل
والتيسير لان الدخول في حق المالك متعذر ، فإذا صودف الاذن تسهل وتيسر فلما كان الاذن تسهيلا لما تعذر
من ذلك وضع موضعه ، وذلك أن دعاء أهل الشرك والجاهلية إلى التوحيد والشرائع أمر في غاية الصعوبة والتعذر ،
فقيل بإذنه للإيذان بأن الامر صعب لا يتأتى ولا يستطاع إلا إذا سهله الله ويسره ، ومنه قولهم في الشحيح : إنه غير
مأذون له في الانفاق : أي غير مسهل له الانفاق لكونه شاقا عليه داخلا في حكم التعذر . جلى به الله ظلمات الشرك
واهتدى به الضالون كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به ، أو أمد الله بنور نبوته نور البصائر كما يمد بنور
السراج نور الابصار . ووصفه بالإنارة لان من السرج ما لا يضئ إذا قل سليطه ودقت فتيلته . وفي كلام بعضهم :
ثلاثة تضني : رسول بطئ ، وسراج لا يضئ ، ومائدة ينتظر لها من يجئ . وسئل بعضهم عن الموحشين فقال :
ظلام ساتر ، وسراج فاتر . وقيل وذا سراج منير ، أو وتاليا سراجا منيرا . ويجوز على هذا التفسير أن يعطف على
كاف أرسلناك . الفضل : ما يتفضل به عليهم زيادة على الثواب ، وإذا ذكر المتفضل به وكبره فما ظنك بالثواب .
ويجوز أن يريد بالفضل الثواب من قولهم للعطايا فضول وفواضل ، وأن يريد أن لهم فضلا كبيرا على سائر الأمم ،
وذلك الفضل من جهة الله وأنه آتاهم ما فضلوهم به ( ولا تطع الكافرين ) معناه الدوام والثبات على ما كان عليه
أو التهييج ( أذاهم ) يحتمل إضافته إلى الفاعل والمفعول : يعني ودع أن تؤذيهم بضرر أو قتل وخذ بظاهرهم
وحسابهم على الله في باطنهم ، أو ودع ما يؤذونك به ولا تجازهم عليه حتى تؤمر . وعن ابن عباس رضي الله
عنهما : هي منسوخة بآية السيف ( وتوكل على الله ) فإنه يكفيكهم وكفى به مفوضا إليه . ولقائل أن يقول : وصفه