ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون .
ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه
ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون . لتجدن أشد الناس عداوة للذين
آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى
ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون . وإذا سمعوا ما أنزل
شرح
الباب . فإن قلت : كيف وقع ترك التناهي عن المنكر تفسيرا للمعصية والاعتداء ؟ قلت : من قل أن الله تعالى
أمر بالتناهي فكان الاخلال به معصية وهو اعتداء ، لان في التناهي حسما للفساد فكان تركه على عكسه . فإن
قلت : ما معنى وصف المنكر بفعلوه ولا يكون النهي بعد الفعل ؟ قلت : معناه : لا يتناهون عن معاودة منكر
فعلوه أو عن مثل منكر فعلوه أو عن منكر أرادوا فعله كما ترى أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوى وتهيأ
فتنكر ، ويجوز أن يراد لا ينتهون ولا يمتنعون عن منكر فعلوه ، بل يصبرون عليه ويداومون على فعله ، يقال
تناهى عن الامر وانتهى عنه : إذا امتنع منه وتركه ( ترى كثيرا منهم ) هم منافقو أهل الكتاب كانوا يوالون
المشركين ويصافونهم ( أن سخط الله عليهم ) هو المخصوص بالذم ومحله الرفع كأنه قيل : لبئس زادهم إلى الآخرة
سخط الله عليهم ، والمعنى موجب سخط الله ( ولو كانوا يؤمنون ) إيمانا خالصا غير نفاق ما اتخذوا المشركين
( أولياء ) يعني أن موالاة المشركين كفى بها دليلا على نفاقهم وأن إيمانهم ليس بإيمان ( ولكن كثيرا منهم فاسقون )
متمردون في كفرهم ونفاقهم ، وقيل معناه : ولو كانوا يؤمنون بالله وموسى كما يدعون ما اتخذوا المشركين أولياء
كما لم يوالهم المسلمون ، وصف الله شدة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق ولين عريكة النصارى وسهولة
ارعوائهم وميلهم إلى الاسلام ، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين ، بل نبه على تقدم قدمهم
فيها بتقديمهم على الذين أشركوا ، وكذلك فعل في قوله - ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا -
ولعمري إنهم لكذلك وأشد ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم ( ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله ) وعلل سهولة
مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين ( بأن منهم قسيسين ورهبانا ) أي علماء وعبادا ( وأنهم ) قوم فيهم تواضع