تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 574

مساهمون:

ص٥٧٤
يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا . مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا . يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، أتريدون أن تجعلوا لله عليكم
شرح
كره لا عن طيبة نفس ورغبة ( يراءون الناس ) يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة ( ولا يذكرون الله إلا قليلا ) ولا يصلون إلا قليلا لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به ، وما يجاهرون به قليل أيضا لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه أو ولا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا في الندرة ، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالاسلام لو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة ، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه ، ويجوز أن يراد بالقلة العدم . فإن قلت : ما معنى المراءاة وهي مفاعلة من الرؤية ؟ قلت : فيها وجهان : أحدهما أن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحسانه . والثاني أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل فيقال راءى الناس : يعني رآهم كقولك نعمه وناعمه وفنقه وفانقه وعيش مفانق . روى أبو زيد رآت المرأة المرأة لرجل إذا أمسكتها لترى وجهه ، ويدل عليه قراءة ابن أبي إسحاق يرأونهم بهمزة مشددة مثل يرعونهم أي يبصرونهم أعمالهم ويراءونهم كذلك ( مذبذبين ) إما حال نحو قوله ولا يذكرون عن واو يراءون : أي يراءونهم غير ذاكرين مذبذبين أو منصوب على الذم ، ومعنى مذبذبين ذبذبهم الشيطان والهوى بين الايمان والكفر فهم مترددون بينهما متحيرون ، وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين : أي يذاد ويدفع فلا يقر في جانب واحد كما قيل فلان يرمي به الرحوان ، إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى : كلما مال إلى جانب ذب عنه . وقرأ ابن عباس مذبذبين بكسر الذال بمعنى يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم أو بمعنى يتذبذبون كما جاء صلصل وتصلصل بمعنى . وفي مصحف عبد الله متذبذبين ، وعن أبي جعفر مدبدبين بالدال غير المعجمة ، وكأن المعنى أخذ بهم تارة في دبة وتارة في دبة فليسوا بماضين على دبة واحدة والدبة الطريقة ومنها دبة قريش ، و ( ذلك ) إشارة إلى الكفر والايمان ( لا إلى هؤلاء ) لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونون مؤمنين ( ولا إلى هؤلاء ) ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسمون مشركين ( لا تتخذوا الكافرين أولياء )
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 574 | الزمخشري