يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا . مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى
هؤلاء ، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا . يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين
أولياء من دون المؤمنين ، أتريدون أن تجعلوا لله عليكم
شرح
كره لا عن طيبة نفس ورغبة ( يراءون الناس ) يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة ( ولا يذكرون الله إلا قليلا )
ولا يصلون إلا قليلا لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به ، وما يجاهرون به قليل أيضا
لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه أو ولا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا
قليلا في الندرة ، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالاسلام لو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة
ولا تحميدة ، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه ، ويجوز أن يراد بالقلة العدم . فإن قلت : ما معنى
المراءاة وهي مفاعلة من الرؤية ؟ قلت : فيها وجهان : أحدهما أن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحسانه . والثاني
أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل فيقال راءى الناس : يعني رآهم كقولك نعمه وناعمه وفنقه وفانقه وعيش
مفانق . روى أبو زيد رآت المرأة المرأة لرجل إذا أمسكتها لترى وجهه ، ويدل عليه قراءة ابن أبي إسحاق يرأونهم
بهمزة مشددة مثل يرعونهم أي يبصرونهم أعمالهم ويراءونهم كذلك ( مذبذبين ) إما حال نحو قوله ولا يذكرون عن
واو يراءون : أي يراءونهم غير ذاكرين مذبذبين أو منصوب على الذم ، ومعنى مذبذبين ذبذبهم الشيطان والهوى
بين الايمان والكفر فهم مترددون بينهما متحيرون ، وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين : أي يذاد
ويدفع فلا يقر في جانب واحد كما قيل فلان يرمي به الرحوان ، إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن
المعنى : كلما مال إلى جانب ذب عنه . وقرأ ابن عباس مذبذبين بكسر الذال بمعنى يذبذبون قلوبهم أو دينهم
أو رأيهم أو بمعنى يتذبذبون كما جاء صلصل وتصلصل بمعنى . وفي مصحف عبد الله متذبذبين ، وعن أبي جعفر
مدبدبين بالدال غير المعجمة ، وكأن المعنى أخذ بهم تارة في دبة وتارة في دبة فليسوا بماضين على دبة واحدة
والدبة الطريقة ومنها دبة قريش ، و ( ذلك ) إشارة إلى الكفر والايمان ( لا إلى هؤلاء ) لا منسوبين إلى هؤلاء
فيكونون مؤمنين ( ولا إلى هؤلاء ) ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسمون مشركين ( لا تتخذوا الكافرين أولياء )