إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ، وكان الله على ذلك قديرا . من كان
يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ، وكان الله سميعا بصيرا . يا أيها
الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين
إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ، وإن تلووا أو تعرضوا
فإن الله كان بما تعملون خبيرا . يا أيها الذين آمنوا
شرح
في الأرض تقرير لما هو موجب تقواه ليتقوه فيطيعوه ولا يعصون ، لان الخشية والتقوى أصل الخير كله ( إن
يشأ يذهبكم ) يفنكم ويعدمكم كما أوجدكم وأنشأكم ( ويأت بآخرين ) ويوجد إنسا آخرين مكانكم أو خلقا آخرين
غير الانس ( وكان الله على ذلك ) من الاعدام والايجاد ( قديرا ) بليغ القدرة لا يمتنع عليه شئ أراده ، وهذا
غضب عليهم وتخويف وبيان لاقتداره . وقيل هو خطاب لمن كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم من
العرب : أي إن يشأ يمتكم ويأت بأناس آخرين يوالونه . ويروى أنها لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه
وسلم بيده على ظهر سلمان وقال : إنهم قوم هذا يريد أبناء فارس ( من كان يريد ثواب الدنيا ) كالمجاهد يريد
بجهاده الغنيمة ( فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ) فما له يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما ، لان من
جاهد لله خالصا لم تخطئه الغنيمة وله من ثواب الآخرة ما الغنيمة إلى جنبه كلا شئ والمعنى : فعند الله ثواب
الدنيا والآخرة له أن أراده حتى يتعلق الجزاء بالشرط ( قوامين بالقسط ) مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا
( شهداء لله ) تقيمون شهاداتكم لوجه الله كما أمرتم بإقامتها ( ولو على أنفسكم ) ولو كانت الشهادة على أنفسكم
أو آبائكم أو أقاربكم . فإن قلت : الشهادة على الوالدين والأقربين أن تقول : أشهد أن لفلان على والدي كذا ، أو
على أقاربي ، فما معنى الشهادة على نفسه ؟ قلت : هي الاقرار على نفسه لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها .
ويجوز أن يكون المعنى : وإن كانت الشهادة وبالا على أنفسكم أو على آبائكم وأقاربكم ، وذلك أن يشهد على من
يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره ( إن يكن ) إن يكن المشهود عليه ( غنيا ) فلا تمنع الشهادة عليه لغناه طلبا
لرضاه ( أو فقيرا ) فلا تمنعها ترحما عليه ( فالله أولى بهما ) بالغني والفقير : أي بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما ،
ولولا أن الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها لأنه أنظر لعباده من كل ناظر . فإن قلت : لم ثنى الضمير في أولى
بهما وكان حقه أن يوحد لان قوله إن يكن غنيا أو فقيرا لا إلى المذكور فلذلك ثنى ولم يفرد وهو جنس الغني وجنس الفقير كأنه
قيل : فالله أولى بجنسي الغني والفقير : أي بالأغنياء والفقراء . وفي قراءة أبي ( فالله أولى بهم ) وهي شاهدة على ذلك .
وقرأ عبد الله ( إن يكن غني أو فقير ) على كان التامة ( أن تعدلوا ) يحتمل العدل والعدول كأنه قيل فلا تتبعوا الهوى
كراهة أن تعدلوا بين الناس أو إرادة أن تعدلوا عن الحق ( وإن تلووا أو تعرضوا ) وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة
الحق أو حكومة العدل أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها . وقرئ ( وإن تلوا أو تعرضوا ) بمعنى وإن وليتم
إقامة الشهادة أو أعرضتم عن إقامتها ( فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) وبمجازاتكم عليه ( يا أيها الذين آمنوا )