تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 570

مساهمون:

ص٥٧٠
إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ، وكان الله على ذلك قديرا . من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ، وكان الله سميعا بصيرا . يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ، وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا . يا أيها الذين آمنوا
شرح
في الأرض تقرير لما هو موجب تقواه ليتقوه فيطيعوه ولا يعصون ، لان الخشية والتقوى أصل الخير كله ( إن يشأ يذهبكم ) يفنكم ويعدمكم كما أوجدكم وأنشأكم ( ويأت بآخرين ) ويوجد إنسا آخرين مكانكم أو خلقا آخرين غير الانس ( وكان الله على ذلك ) من الاعدام والايجاد ( قديرا ) بليغ القدرة لا يمتنع عليه شئ أراده ، وهذا غضب عليهم وتخويف وبيان لاقتداره . وقيل هو خطاب لمن كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب : أي إن يشأ يمتكم ويأت بأناس آخرين يوالونه . ويروى أنها لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على ظهر سلمان وقال : إنهم قوم هذا يريد أبناء فارس ( من كان يريد ثواب الدنيا ) كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة ( فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ) فما له يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما ، لان من جاهد لله خالصا لم تخطئه الغنيمة وله من ثواب الآخرة ما الغنيمة إلى جنبه كلا شئ والمعنى : فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له أن أراده حتى يتعلق الجزاء بالشرط ( قوامين بالقسط ) مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا ( شهداء لله ) تقيمون شهاداتكم لوجه الله كما أمرتم بإقامتها ( ولو على أنفسكم ) ولو كانت الشهادة على أنفسكم أو آبائكم أو أقاربكم . فإن قلت : الشهادة على الوالدين والأقربين أن تقول : أشهد أن لفلان على والدي كذا ، أو على أقاربي ، فما معنى الشهادة على نفسه ؟ قلت : هي الاقرار على نفسه لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها . ويجوز أن يكون المعنى : وإن كانت الشهادة وبالا على أنفسكم أو على آبائكم وأقاربكم ، وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره ( إن يكن ) إن يكن المشهود عليه ( غنيا ) فلا تمنع الشهادة عليه لغناه طلبا لرضاه ( أو فقيرا ) فلا تمنعها ترحما عليه ( فالله أولى بهما ) بالغني والفقير : أي بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما ، ولولا أن الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها لأنه أنظر لعباده من كل ناظر . فإن قلت : لم ثنى الضمير في أولى بهما وكان حقه أن يوحد لان قوله إن يكن غنيا أو فقيرا لا إلى المذكور فلذلك ثنى ولم يفرد وهو جنس الغني وجنس الفقير كأنه قيل : فالله أولى بجنسي الغني والفقير : أي بالأغنياء والفقراء . وفي قراءة أبي ( فالله أولى بهم ) وهي شاهدة على ذلك . وقرأ عبد الله ( إن يكن غني أو فقير ) على كان التامة ( أن تعدلوا ) يحتمل العدل والعدول كأنه قيل فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس أو إرادة أن تعدلوا عن الحق ( وإن تلووا أو تعرضوا ) وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها . وقرئ ( وإن تلوا أو تعرضوا ) بمعنى وإن وليتم إقامة الشهادة أو أعرضتم عن إقامتها ( فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) وبمجازاتكم عليه ( يا أيها الذين آمنوا )
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 570 | الزمخشري