تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 561

مساهمون:

ص٥٦١
إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا . ولا تهنوا في ابتغاء القوم ، إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ، وترجون من الله ما لا يرجون ، وكان الله عليما حكيما . إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ، ولا تكن للخائنين خصيما ، واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما
شرح
ما صليتم في تلك الأحوال التي هي أحوال القلق والانزعاج ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) محدودا بأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أي حال كنتم خوف أو أمن ، وهذا ظاهر على مذهب الشافعي رحمه الله في إيجابه الصلاة على المحارب في حال المسابقة والمشي والاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها ، فإذا اطمأن فعليه القضاء . وأما عند أبي حنيفة رحمه الله فهو معذور في تركها إلى أن يطمئن . وقيل معناه : فإذا قضيتم صلاة الخوف فأديموا ذكر الله مهللين مكبرين مسبحين داعين بالنصرة والتأييد في كافة أحوالكم من قيام وقعود واضطجاع ، فإن ما أنتم فيه من خوف وحرب جدير بذكر الله ودعائه واللجأ إليه ، فإذا اطمأننتم : فإذا أقمتم الصلاة فأتموها ( ولا تهنوا ) ولا تضعفوا ولا تتوانوا ( في ابتغاء القوم ) في طلب الكفار بالقتال والتعرض به لهم . ثم ألزمهم الحجة بقوله ( إن تكونوا تألمون ) أي ليس ما تكابدون من الألم بالجرح والقتل مختصا بكم ، إنما هو أمر مشترك بينكم وبينهم يصيبهم كما يصيبكم ، ثم إنهم يصبرون عليه ويتشجعون ، فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أولى منهم بالصبر لأنكم ( ترجون من الله ما لا يرجون ) من إظهار دينكم على سائر الأديان ومن الثواب العظيم في الآخرة . وقرأ الأعرج - أن تكونوا تألمون - بفتح الهمزة ، بمعنى : ولا تهنوا لان تكونوا تألمون ، وقوله ( فإنهم يألمون كما تألمون ) تعليل . وقرئ فإنهم ييلمون كما تيلمون ) . وروي أن هذا في بدر الصغرى كان بهم جراح فتواكلوا ( وكان الله عليما حكيما ) لا يكلفكم شيئا ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا لما هو عالم به مما يصلحكم . روي ( أن طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر سرق درعا من جار له اسمه قتادة بن النعمان في جراب دقيق ، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه وخبأها عند زيد بن السمين رجل من اليهود ، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها وما له بها علم ، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها ، فقال : دفعها إلي طعمة وشهد له ناس من اليهود ، فقالت بنو ظفر : انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا : إن لم تفعل هلك وافتضح وبرئ اليهودي ، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل وأن يعاقب اليهودي ، وقيل هم أن يقطع يده فنزلت ) ، وروي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد وثقب حائطا بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله ( بما أراك الله ) بما عرفك وأوحى به إليك . وعن عمر رضي الله عنه : لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم ولكن ليجتهد رأيه ، لان الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مصيبا ، لان الله كان يريه إياه وهو منا الظن والتكلف ( ولا تكن للخائنين خصيما ) ولا تكن لأجل الخائنين مخاصما للبراء ، يعني لا تخاصم اليهود لأجل بني ظفر ( واستغفر الله ) مما هممت به من عقاب اليهود