والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين . والذين إذا فعلوا
فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ، ومن يغفر الذنوب إلا الله
ولم يصروا على فعلوا وهم يعلمون .
شرح
ينفقوا في كلتا الحالتين ما قدروا عليه من كثير أو قليل ، كما حكي عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة . وعن
عائشة رضي الله عنها أنها تصدقت بحبة عنب ، أو في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرة لا تمنعهم
حال فرح وسرور ولا حال محنة وبلاء من المعروف ، وسواء عليهم كان الواحد منهم في عرس أو حبس فإنه
لا يدع الإحسان . وافتتح بذكر الإنفاق لأنه أشق شئ على النفس وأدله على الإخلاص ، ولأنه كان في ذلك
الوقت أعظم الأعمال للحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين . كظم القربة : إذا ملأها وشد فاها
وكظم البعير : إذا لم يجتر ، ومنه كظم الغيظ ، وهو أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر له أثرا . وعن
النبي صلى الله عليه وسلم " من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا " وعن عائشة رضي الله عنها
أن خادما لها غاظها فقالت : لله در التقوى ما تركت لذي غيظ شفاء ( والعافين عن الناس ) إذا جنى عليهم أحد لم
يؤاخذوه . وروي " ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانت أجورهم على الله ؟ فلا يقوم إلا من عفا " وعن ابن
عيينة أنه رواه للرشيد وقد غضب على رجل فخلاه . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " أن هؤلاء في أمتي قليل إلا
من عصم الله وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت " ( والله يحب المحسنين ) يجوز أن تكون اللام للجنس فيتناول كل
محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون ، وأن تكون للعهد فتكون إشارة إلى هؤلاء ( والذين ) عطف على المتقين :
أي أعدت للمتقين وللتائبين ، وقوله : أولئك إشارة إلى الفريقين ، ويجوز أن يكون والذين مبتدأ خبره أولئك
( فاحشة ) فعلة متزايدة القبح ( أو ظلموا أنفسهم ) أو أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذون به ، وقيل الفاحشة الزنا ،
وظلم النفس ما دونه من القبلة واللمسة ونحوهما ، وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة ( ذكروا الله ) تذكروا
عقابه أو وعيده أو نهيه أو حقه العظيم وجلاله الموجب للخشية والحياء منه ( فاستغفروا لذنوبهم ) فتابوا عنها لقبحها
نادمين عازمين ( ومن يغفر الذنوب إلا الله ) وصف لذاته بسعة الرحمة وقرب المغفرة ، وأن التائب من الذنب عنده
كمن لا ذنب له ، وأنه لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه ، وأن عدله يوجب المغفرة للتائب ، لأن العبد إذا جاء في
الاعتذار والتنصل بأقصى ما يقدر عليه وجب العفو والتجاوز ، وفيه تطييب لنفوس العباد وتنشيط للتوبة وبعث
عليها وردع عن اليأس والقنوط وأن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم . والمعنى : أنه وحده معه
مصححات المغفرة ، وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ( ولم يصروا ) ولم يقيموا على قبيح فعلهم غير
مستغفرين . وعن النبي صلى الله عليه وسلم " ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " وروي " لا كبيرة مع
الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار " ( وهم يعلمون ) حال من فعل الإصرار وحرف النفي منصب عليهما معا ، والمعنى :
وليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها وبالوعيد عليها لأنه قد يعذر من لا يعلم قبح