ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين .
وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز
الحكيم . ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين . ليس لك من
الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون . ولله ما في السماوات وما
شرح
بأكثر من ذلك العدد مسومين للقتال ( ويأتوكم ) يعني المشركين ( من فورهم هذا ) من قولك قفل من غزوته
وخرج من فوره إلى غزوة أخرى وجاء فلان ورجع من فوره ، ومنه قول أبي حنيفة رحمه الله : الأمر على الفور
لا على التراخي ، وهو مصدر من فارت القدر : إذا غلت ، فاستعير للسرعة ثم سميت به الحالة التي لا ريث فيها ولا
تعريج على شئ من صاحبها فقيل خرج من فوره كما تقول من ساعته لم يلبث . والمعنى : أنهم إن يأتوكم من
ساعتهم هذه ( يمددكم ربكم ) بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم ، يريد أن الله يعجل نصرتكم
وييسر فتحكم إن صبرتم واتقيتم . وقرئ منزلين بالتشديد ومنزلين بكسر الزاي بمعنى منزلين النصر ومسومين
بفتح الواو وكسرها بمعنى معلمين ومعلمين أنفسهم أو خيلهم . قال الكلبي : معلمين بعمائم صفر مرخاة على
أكتافهم . وعن الضحاك : معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها . وعن مجاهد مجزوزة أذناب
خيلهم . وعن قتادة كانوا على خيل بلق . وعن عروة بن الزبير كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء فنزلت
الملائكة كذلك . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه : " تسوموا فإن الملائكة قد تسومت " ( وما
جعله الله ) الهاء لأن يمدكم : أي وما جعل الله إمدادكم بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون ( ولتطمئن قلوبكم
به ) كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم ( وما النصر إلا من عند الله ) لا من عند المقاتلة
إذا تكاثروا ولا من عند الملائكة والسكينة ، ولكن ذلك مما يقوي به الله رجاء النصرة والطمع في الرحمة ويربط به
على قلوب المجاهدين ( العزيز ) الذي لا يغالب في حكمه ( الحكيم ) الذي يعطي النصر ويمنعه لما يرى من المصلحة
( ليقطع طرفا من الذين كفروا ) ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين
من رؤساء قريش وصناديدهم ( أو يكبتهم ) أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة ( فينقلبوا خائبين ) غير ظافرين بمبتغاهم ،
ونحوه - ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا - ويقال كبته بمعنى كبده : إذا ضرب كبده بالغيظ والحرقة ،
وقيل في قول أبي الطيب : * لأكبت حاسدا وأرى عدوا * هو من الكبد والرئة ، واللام متعلقة بقوله " ولقد
نصركم الله " أو بقوله " وما النصر إلا من عند الله " ( أو يتوب ) عطف على ما قبله و - ليس لك من الأمر شئ -
اعتراض ، والمعنى : أن الله مالك أمرهم فإما يهلكهم أو يهزمهم ، أو يتوب عليهم إن أسلموا ، أو يعذبهم إن
أصروا على الكفر ، وليس لك من أمرهم شئ إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم . وقيل إن يتوب
منصوب بإضمار أن ، وأن يتوب في حكم اسم معطوف بأو على الأمر أو على شئ : أي ليس لك من أمرهم شئ
أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم ، أوليس لك من أمرهم شئ أو التوبة عليهم أو تعذيبهم . وقيل أو بمعنى إلا أن
كقولك لألزمنك أو تعطيني حقي على معنى ليس لك من أمرهم شئ إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم