وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون
شرح
إلى قوله - فهل أنتم منتهون - فقال عمر رضي الله عنه : انتهينا يا رب . وعن علي رضي الله عنه : لو وقعت قطرة
في بئر فبنيت مكانها منارة لم أؤذن عليها ، ولو وقعت في بحر ثم جف ونبت فيه الكلأ لم أرعه . وعن ابن عمر رضي الله عنهما
: لو أدخلت أصبعي فيه لم تتبعني . وهذا هو الايمان حقا ، وهم الذين اتقوا الله حق تقاته . والخمر ما غلا
واشتد وقذف بالزبد من عصير العنب وهو حرام ، وكذلك نقيع الزبيب أو التمر الذي لم يطبخ ، فان طبخ حتى
ذهب ثلثاه ثم غلا واشتد ذهب خبثه ونصيب الشيطان ، وحل شربه ما دون السكر إذا لم يقصد بشربه اللهو
والطرب عند أبي حنيفة . وعن بعض أصحابه : لان أقول مرارا هو حلال أحب إلى من أن أقول مرة هو حرام ،
ولان أخر من السماء فأتقطع قطعا أحب إلى من أن أتناول منه قطرة . وعند أكثر الفقهاء هو حرام كالخمر وكذلك
كل ما أسكر من كل شراب ، وسميت خمرا لتغطيتها العقل والتمييز كما سميت سكرا لأنها تسكرهما : أي تحجزهما وكأنها
سميت بالمصدر من خمره خمرا إذا ستره للمبالغة . والميسر القمار مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعلهما ، يقال
يسرته إذا قمرته ، واشتقاقه من اليسر لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب ، أو من اليسار لأنه
سلب يساره ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله قال :
* أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني * أي يفعلون بي ما يفعل الياسرون بالميسور . فان قلت : كيف صفة الميسر
قلت : كانت لهم عشرة أقداح وهى الأزلام والأقلام الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى
والمنيح والسفيح والوغد ، لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزئونها عشرة أجزاء ، وقيل ثمانية
وعشرون إلا لثلاثة وهى المنيح والسفيح والوغد ، ولبعضهم :
لي في الدنيا سهام ليس فيهن ربيح وأساميهن وغد وسفيح ومنيح
للفذ سهم ، وللتوأم سهمان ، وللرقيب ثلاثة ، وللحلس أربعة ، وللنافس خمسة ، وللمسبل ستة . وللمعلى سبعة ،
يجعلونها في الربابة وهى خريطة ويضعونها على يدي عدل ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحا
منها ( 1 ) فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح ، ومن خرج له قدح مما
لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله ، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها
ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم . وفى حكم الميسر أنواع القمار من النرد والشطرنج
وغيرهما . وعن النبي صلى الله عليه واسلم ( إياكم وهاتين اللعبتين المشؤمتين فإنهما من ميسر العجم ) وعن علي
رضي الله عنه أن النرد والشطرنج من الميسر . وعن ابن سيرين : كل شئ فيه خطر فهو من الميسر . والمعنى
يسألونك عما في تعاطيهما بدليل قوله تعالى - قل فيهما إثم كبير - ( وإثمهما ) وعقاب الاثم في تعاطيهما ( أكبر من
نفعهما ) وهو الالتذاذ بشرب الخمر والقمار والطرب فيهما والتواصل بهما إلى مصادقات الفتيان ومعاشرتهم
والنيل من مطاعمهم ومشاربهم وأعطياتهم ، وسلب الأموال بالقمار والافتخار على الابرام . وقرئ إثم كثير بالثاء .
وفى قراءة أبى وإثمهما أقرب ، ومعنى الكثير أن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيره
هامش
( 1 ) قوله ( باسم رجل رجل قدحا منها ) عبارة أبى السعود : باسم رجل رجل قدحا قدحا اه مصححه .