وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع
العليم . ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا
شرح
وقرأ ابن محيصن فأطره بإدغام الضاد في الطاء كما قالوا اطجع ، وهى لغة مرذولة لأن الضاد من الحروف الخمسة
التي يدغم فيها ما يجاورها ولا تدغم هي فيما يجاورها وهى حروف ضم شفر ( يرفع ) حكاية حال ماضية . والقواعد :
جمع قاعدة وهى الأساس والأصل لما فوقه وهى صفة غالبة ومعناها الثابتة ، ومنه قعدك الله : أي أسأل الله أن
يقعدك : أي يثبتك ، ورفع الأساس البناء عليها لأنها إذا بنى عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع
وتطاولت بعد التقاصر ، ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه ،
ومعنى رفع القواعد رفعها بالبناء لأنه إذا وضع سافا فوق ساف فقد رفع السافات ويجوز أن يكون المعنى : وإذ
يرفع إبراهيم ما قعد من البيت : أي استوطأ ، يعنى جعل هيئته القاعدة المستوطئة مرتفعة عالية بالبناء . وروى أنه
كان مؤسسا قبل إبراهيم فبنى على الأساس . وروى أن الله تعالى أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من
زمرذ شرقي وغربى وقال لآدم عليه السلام : أهبطت لك ما يطاف به كما يطاف حول عرشي ، فتوجه آدم من
أرض الهند إليه ماشيا ، وتلقته الملائكة فقالوا : بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام ، وحج
آدم أربعين حجة من أرض الهند إلى مكة على رجليه ، فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيام الطوفان إلى السماء
الرابعة فهو البيت المعمور ، ثم إن الله تعالى أمر إبراهيم ببنائه وعرفه جبريل مكانه . وقيل بعث الله سحابة أظلته ونودي
أن ابن علي ظلها لا تزد ولا تنقص . وقيل بناه من خمسة أجبل : طور سينا وطور زيتا ولبنان والجودي وأسسه من
حراء وجاءه جبريل بالحجر الأسود من السماء . وقيل تمخض أبو قبيس فانشق عنه وقد خبئ فيه في أيام الطوفان ،
وكان ياقوتة بيضاء من الجنة فلما لمسته الحيض في الجاهلية اسود . وقيل كان إبراهيم يبنى وإسماعيل يناوله الحجارة
( ربنا ) أي يقولان ربنا وهذا الفعل في محل النصب على الحال وقد أظهره عبد الله في قراءته ، ومعناه : يرفعانها
قائلين ربنا ( إنك أنت السميع ) لدعائنا ( العليم ) بضمائرنا ونياتنا . فإن قلت : هلا قيل قواعد البيت وأي فرق بين
العبارتين ؟ قلت : في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام ما ليس في إضافتها لما في الإيضاح بعد الإبهام من تفخيم
لشأن المبين ( مسلمين لك ) مخلصين لك أوجهنا من قوله - أسلم وجهه لله - أو مستسلمين ، يقال أسلم له وسلم
واستسلم : إذا خضع وأذعن . والمعنى : زدنا إخلاصا أو إذعانا لك ، وقرئ مسلمين على الجمع كأنهما أرادا
أنفسهما وهاجر أو أجريا التثنية على حكم الجمع لأنها منه ( ومن ذريتنا ) واجعل من ذريتنا ( أمة مسلمة لك ) ومن
للتبعيض أو للتبيين كقوله - وعد الله الذين آمنوا منكم - فإن قلت : لم خصا ذريتهما . بالدعاء ؟ قلت : لأنهم
أحق بالشفقة والنصيحة - قو أنفسكم وأهليكم نارا - ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم وشايعوهم
على الخير ، ألا ترى أن المقدمين من العلماء والكبراء إذا كانوا على السداد كيف يتسببون لسداد من وراءهم ؟
وقيل أراد بالأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ( وأرنا ) منقول من رأى بمعنى أبصر أو عرف ولذلك لم يتجاوز
مفعولين : أي وبصرنا متعبداتنا في الحج أو وعرفناها وقيل مذابحنا . وقرئ وأرنا بسكون الراء قياسا على فخذ
في فخذ ، وقد استرذلت لأن الكسرة منقولة من الهمزة الساقطة دليل عليها فإسقاطها إجحاف ، وقرأ أبو عمرو بإشمام