واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي
للطائفين والعاكفين والركع السجود . وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا
وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه
قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ،
شرح
إليه فلا يتعرض له حتى يخرج ، وقرئ مثابات لأنه مثابة لكل من الناس لا يختص به واحد منهم - سواء العاكف
فيه والباد - ( واتخذوا ) على إرادة القول : أي وقلنا اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه ، وهو على وجه الاختيار
والاستحباب دون الوجوب . وعن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه أخذ بيد عمر فقال : هذا مقام إبراهيم ، فقال
عمر : أفلا نتخذه مصلى ؟ " يريد أفلا نؤثره لفضله بالصلاة فيه تبركا به وتيمنا بموطئ قدم إبراهيم ؟ فقال : لم أومر
بذلك ، فلم تغب الشمس حتى نزلت " . وعن جابر بن عبد الله " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استلم الحجر
ورمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة ، حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ - واتخذوا من مقام
إبراهيم مصلى - " وقيل مصلى مدعى ، ومقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه والموضع الذي كان فيه الحجر حين
وضع عليه قدميه وهو الموضع الذي يسمى مقام إبراهيم . وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل المطلب بن أبي وداعة :
هل تدرى أين كان موضعه الأول ؟ قال نعم ، فأراه موضعه اليوم . وعن عطاء : مقام إبراهيم عرفة والمزدلفة
والجمار لأنه قام في هذه المواضع ودعا فيها . وعن النخعي : الحرم كله مقام إبراهيم . وقرئ واتخذوا بلفظ
الماضي عطفا على جعلنا : أوى واتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قبلة
يصلون إليها ( عهدنا ) أمرناهما ( أن طهرا بيتي ) بأن طهرا أو أي طهرا . والمعنى : طهراه من الأوثان والأنجاس
وطواف الجنب والحائض والخبائث كلها ، أو أخلصاه لهؤلاء لا يغشه غيرهم ( والعاكفين ) المجاورين الذين
عكفوا عنده : أي أقاموا لا يبرحون أو المعتكفين ، ويجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين : يعنى القائمين في الصلاة ،
كما قال : للطائفين والقائمين والركع السجود ، والمعنى : للطائفين والمصلين لأن القيام والركوع والسجود هيئات
المصلى : أي اجعل هذا البلد أو هذا المكان ( بلدا آمنا ) ذا أمن كقوله - عيشة راضية - أو آمنا من فيه كقوله ليل نائم ،
و ( من آمن منهم ) بدل من أهله : يعنى وارزق المؤمنين من أهله خاصة ( ومن كفر ) عطف على من آمن كما
عطف ومن ذريتي على الكاف في جاعلك . فإن قلت : لم خص إبراهيم صلوات الله عليه المؤمنين حتى رد عليه ؟
قلت : قاس الرزق على الإمامة فعرف الفرق بينهما ، لأن الاستخلاف استرعاء يختص بمن ينصح للمرعى ، وأبعد
الناس عن نصيحة الظالم ، بخلاف الرزق فإنه قد يكون استدراجا للمرزوق وإلزاما للحجة له . وأرزق من كفر
فأمتعه ، ويجوز أن يكون ومن كفر مبتدأ متضمنا معنى الشرط ، وقوله فأمتعه جوابا للشرط : أي ومن كفر فأنا
أمتعه ، وقرئ فأمتعه فأضطره فألزه إلى عذاب النار لز المضطر الذي لا يملك الا امتناع مما اضطر إليه . وقرأ أبى
فنمتعه قليلا ثم نضطره ، وقرأ يحيى بن وثاب " فإضطره " بكسر الهمزة . وقرأ ابن عباس فأمتعه قليلا ثم اضطره على
لفظ الأمر ، والمراد الدعاء من إبراهيم دعا ربه بذلك . فإن قلت : فكيف تقدير الكلام على هذه القراءة ؟ قلت :
في قال ضمير إبراهيم : أي قال إبراهيم بعد مسألته اختصاص المؤمنين بالرزق : ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره .