تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون . قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث مسلمة لاشية فيها قالوا الآن جئت بالحق ، فذبحوها وما كادوا يفعلون .
شرح
تسر الناظرين وعن الحسن البصري : صفراء فاقع لونها : سوداء شديدة السواد ، ولعله مستعار من صفة الإبل لأن سوادها تعلوه صفرة ، وبه فسر قوله تعالى - جمالات صفر قال الأعشى : تلك خيلي منه وتلك ركابي * هن صفر أولادها كالزبيب ( ما هي ) مرة ثانية تكرير للسؤال عن حالها وصفتها واستكشاف زائد ليزدادوا بيانا لوصفها ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم " لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم ، ولكن شددوا فشدد الله عليهم " والاستقصاء شؤم ، وعن بعض الخلفاء أنه كتب إلى عامله بأن يذهب إلى قوم فيقطع أشجارهم ويهدم دورهم ، فكتب إليه بأيها أبدأ ؟ فقال : إن قلت لك بقطع الشجر سألتني بأي نوع منها أبدأ . وعن عمر بن عبد العزيز إذا أمرتك أن تعطى فلانا شاة سألتني أضائن أم ماعز ، فإن بينت لك قلت أذكر أم أنثى ، فإن أخبرتك قلت أسوداء أم بيضاء ، فإذا أمرتك بشئ فلا تراجعني . وفى الحديث " أعظم الناس جرما من سأل عن شئ لم يحرم فحرم لأجل مسألته " ( إن البقر تشابه علينا ) أي إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح ، وقرئ تشابه بمعنى تتشابه بطح التاء وإدغامها في الشين وتشابهت ومتشابهة ومتشابه ، وقرأ محمد ذو الشامة إن الباقر يشابه بالياء والتشديد . جاء في الحديث " ولو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد " أي لو لم يقولوا إن شاء الله . والمعنى : إنا لمهتدون إلى البقرة المراد ذبحها ، أو إلى ما خفى علينا من أمر القاتل ( لا ذلول ) صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول ، يعنى لم تذلل للكراب وإثارة الأرض ، ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقى الحروث ولا الأولى للنفي والثانية مزيدة لتوكيد الأولى لأن المعنى : لا ذلول تثير وتسقى على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل : لا ذلول مثيرة وساقية . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي : لا ذلول بمعنى لا ذلول هناك : أي حيث هي وهو نفى لذلها ولأن توصف به فيقال هي ذلول ، ونحوه قولك مررت بقوم لا بخيل ولا جبان : أي فيهم أو حيث هم . وقرئ تسقى بضم التاء من أسقى ( مسلمة ) سلمها الله من العيوب أو معفاة من العمل سلمها أهلها منه كقوله : أو معبر الظهر ينبى عن وليته * ما حج ربه في الدنيا ولا اعتمرا أو مخلصة اللون ، من سلم له كذا : إذا خلص له لم يشب صفرتها شئ من الألوان ( لاشية فيها ) لا لمعة في نقبتها من لون آخر سوى الصفرة فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها وهى في الأصل مصدر وشاه وشيا وشية : إذا خلط بلونه لونا آخر ، ومنه ثور موشى القوائم ( جئت بالحق ) أي بحقيقة وصف البقرة وما بقي إشكال في أمرها ( فذبحوها ) أي فحصلوا البقرة الجامعة لهذا الأوصاف كلها فذبحوها . وقوله ( وما كادوا يفعلون ) استثقال لاستقصائهم واستبطاء لهم وإنهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم ما كادوا يذبحونها وما كادت تنتهي سؤالاتهم وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم . وقيل وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها ، وقيل لخوف الفضيحة