الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون . وإذ
أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم
تتقون . ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين
ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين .
فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين . وإذ قال موسى لقومه إن
الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزؤا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين .
شرح
أصيلا ( وعمل صلاحا فلهم أجرهم ) الذي يستوجبونه بإيمانهم وعملهم . فإن قلت : ما محل من آمن ؟ قلت : الرفع
إن جعلته مبتدأ خبره فلهم أجرهم والنصب إن جعلته بدلا من اسم إن والمعطوف عليه ، فخبر إن في الوجه الأول
الجملة كما هي ، وفى الثاني فلهم أجرهم والفاء لتضمن من معنى الشرط ( وإذ أخذنا ميثاقكم ) بالعمل على ما في
التوراة ( ورفعنا فوقكم الطور ) حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق ، وذلك أن موسى عليه السلام جاءهم بالألواح فرأوا
ما فيها من الآصار والتكاليف الشاقة فكبرت عليهم وأبوا قبولها ، فأمر جبريل فقلع الطور من أصله ورفعه وظلله
فوقهم وقال لهم موسى : إن قبلتم وإلا ألقى عليكم حتى قبلوا ( خذوا ) على إرادة القول ( ما آتيناكم ) من الكتاب
( بقوة ) بجد وعزيمة ( واذكروا ما فيه ) واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه ( لعلكم
تتقون ) رجاء منكم أن تكونوا متقين ، أو قلنا : خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا ( ثم توليتم ) ثم أعرضتم عن
الميثاق والوفاء به ( فلولا فضل الله عليكم ) بتوفيقكم للتوبة لخسرتم . وقرئ خذوا ما آتيتكم وتذكروا واذكروا ،
و ( السبت ) مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت ، وإن ناسا منهم اعتدوا فيه : أي جاوزوا ما حد لهم فيه
من التجرد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد ، وذلك أن الله ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه
يوم السبت ، فإذا مضى تفرقت كما قال - تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم -
فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا إليها الجداول ، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد ، فذلك
الحبس في الحياض هو اعتداؤهم ( قردة خاسئين ) خبر إن : أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء وهو الصغار
والطرد ( فجعلناها ) يعنى المسخة ( نكالا ) عبرة تنكل من اعتبر بها : أي تمنعه ، ومنه النكل القيد ( لما بين يديها )
لما قبلها ( وما خلفها ) وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها واعتبر بها
من بلغتهم من الآخرين ، أو أريد بما بين يديها ما بحضرتها من القرى والأمم ، وقيل نكالا عقوبة منكلة لما بين
يديها لأجل ما تقدمها من ذنوبهم وما تأخر منها ( وموعظة للمتقين ) للذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم
أو لكل متق سمعها . كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه ليرثوه ، وطرحوه على باب مدينة ثم جاءوا
يطالبون بديته ، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله ( قالوا أتتخذنا هزؤا ) أجعلنا
مكان هزؤا أو أهل هزوء ومهزوا بنا أو الهزو نفسه لفرط الاستهزاء ( من الجاهلين ) لأن الهزو في مثل هذا من