الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه
شرح
خلفه ، ويقال للخلفاء المردة من الكفار الفسقة ، وقد جاء الاستعمالان في كتاب الله - بئس الاسم الفسوق بعد
الإيمان - يريد اللمز والتنابر - إن المنافقين هم الفاسقون - النقض : الفسخ وفك التركيب . فإن قلت : من أين ساغ
استعمال النقض في إبطال العهد ؟ قلت : من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من ثبات
الوصلة بين المتعاهدين ، ومنه قول ابن التيهان في بيعة العقبة " يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالا ونحن
قاطعوها ، فنخشى إن الله عز وجل أعزك وأظهرك أن ترجع إلى قومك " وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن
يسكنوا عن ذكر الشئ المستعار ، ثم يرمزوا إليه بذكر شئ من روادفه فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه ونحوه
قولك : شجاع يفترس أقرانه وعالم يغترف منه الناس وإذا تزوجت امرأة فاستوترها لم تقل هذا إلا وقد نبهت على
الشجاع والعالم بأنهما أسد وبحر ، وعلى المرأة بأنها فراش . والعهد : الموثق ، وعهد إليه في كذا : لذا وصاه به
ووثقه عليه ، واستعهد منه ، إذا اشترط عليه واستوثق منه . والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد الله أحبار اليهود المتعنتون
أو منافقوهم أو الكفار جميعا . فإن قلت : فما المراد بعهد الله ؟ قلت : ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه
أمر وصاهم به ووثقه عليهم ، وهو معنى قوله تعالى - وأشهدهم على أنفسهم ابست بربكم قالوا بلى - أو أخذ الميثاق
عليهم انهم إذا بعث إليهم رسول يصدقه الله بمعجزاته صدقوه واتبعوه ولم يكتموا ذكره فيما تقدمه من الكتب
المنزلة عليهم كقوله - وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم - وقوله في الإنجيل لعيسى صلوات الله عليه : سأنزل عليك
كتابا فيه نبأ بني إسرائيل وما أريته إياهم من الآيات ، وما أنعمت عليهم ، وما نقضوا من ميثاقهم الذي واثقوا به
وما ضيعوا من عهده إليهم ، وحسن صنعه للذين قاموا بميثاق الله تعالى وأوفوا بعهده ونصره إياهم ، وكيف أنزل
بأسه ونقمته بالذين غدروا ونقضوا ميثاقهم ولم يوفوا بعهده ، لأن اليهود فعلوا باسم عيسى ما فعلوا باسم محمد
صلى الله عليه وسلم من التحريف والجحود ، وكفروا به كما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم . وقيل هو أخذ الله
العهد عليهم أن لا يسفكوا دماءهم ولا يبغي بعضهم على بعض ولا يقطعوا أرحامهم . وقيل عهد الله إلى خلقه ثلاثة
عهود : العهد الأول الذي أخذه على جميع ذرية آدم الإقرار بربوبيته وهو قوله تعالى - وإذا أخذ ربك - وعهد خص
به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه وهو قوله تعالى - وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم - وعهد
خص به العلماء وهو قوله - وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه - والضمير في
ميثاقه للعهد وهو ما وثقوا به عهد الله من قبوله وإلزامه أنفسهم ، ويجوز أن يكون بمعنى توثقته كما أن الميعاد والميلاد
بمعنى الوعد والولادة ، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى : أي من بعد توثقته عليهم أو من بعد ما وثق به