شرح
قلت هو كقولك فلان أحسن بفلان ونعم ما فعل ورأى من الرأي كذا وكان صوابا ومنه قوله تعالى وجعلوا
أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون - وما أشبه ذلك من الجمل التي تساق في الكلام معترضة للتقرير والمراد بتطهير
الأزواج أن طهرن مما يختص بالنساء من الحيض والاستحاضة وما لا يختص بهن من الأقذار والأدناس ويجوز
لمجيئه مطلقا أن يدخل تحته الطهر من دنس الطباع وطبع الأخلاق الذي عليه نساء الدنيا مما يكتسبن بأنفسهن ومما
يأخذنه من أعراق السوء والمناصب الرديئة والمناشئ المفسدة ومن سائر عيوبهن ومثالبهن وخبثهن وكيدهن فإن
قلت فهلا جاءت الصفة مجموعة كما في الموصوف ؟ قلت هما لغتان فصيحتان يقال النساء فعلن وهن فاعلات
وفواعل والنساء فعلت وهى فاعلة ومنه بيت الحماسة :
وإذا العذارى بالدخان تقنعت * واستعجلت نصب القدور فملت
والمعنى وجماعة أزواج مطهرة وقرأ زيد بن علي مطهرات وقرأ عبيد بن عمير مطهرة بمعنى متطهرة وفى
كلام بعض العرب ما أحوجني إلى بيت الله فأطهر به أطهرة أي فأتطهر به تطهرة فإن قلت هلا قيل
طاهرة ؟ قلت في مطهرة فخامة لصفتهن ليست في طاهرة وهى الإشعار بأن مطهرا طهرهن وليس ذلك إلا الله
عز وجل المريد بعباده الصالحين أن يخولهم كل مزية فيما أعد لهم والخلد الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي
لا ينقطع قال الله تعالى - وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون وقال أمرؤ القيس :
ألا أنعم صباحا أيها الطلل البالي * وهل ينعمن من كان في العصر الخالي
وهل ينعمن إلا سعيد مخلد * قليل الهموم ما يبيت بأوجال
سيقت هذه الآية لبيان أن ما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكون
المحقرات من الأشياء مضروبا بها المثل ليس بموضع للاستنكار والاستغراب من قبل أن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه
من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب وإدناء المتوهم من المشاهد فإن كان المتمثل له عظيما كان
المتمثل به مثله وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إذا إلا أمرا
تستدعيه حال المتمثل له وتستجره إلى نفسها فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية ألا ترى إلى الحق
لما كان واضحا جليا أبلج كيف تمثل له بالضياء والنور وإلى الباطل لما كان بضد صفته كيف تمثل له بالظلمة
ولما كانت حال الآلهة التي جعلها الكفار أندادا لله تعالى لا حال أحقر منها وأقل ولذلك جعل بيت العنكبوت
مثلها في الضعف والوهن وجعلت أقل من الذباب وأخس قدرا ، وضربت لها البعوضة فالذي دونها مثلا
لم يستنكر ولم يستبدع ولم يقل للمتمثل استحى من تمثيلها بالبعوضة لأنه مصيب في تمثيله محق في قوله سائق للمثل
على قضية مضربه محتذ على مثال ما يحتكمه ويستدعيه ولبيان أن المؤمنين الذين عادتهم الإنصاف والعمل على
العدل والتسوية والنظر في الأمور بناظر العقل إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا أنه الحق الذي لا تمر الشبهة بساحته
والصواب الذي لا يرتع الخطأ حوله وأن الكفار الذين غلبهم الجهل على عقولهم وغصبهم على بصائرهم فلا
يتفطنون ولا يلقون أذهانهم أو عرفوا أنه الحق إلا أن حب الرياسة وهو الإلف والعادة لا يخليهم أن ينصفوا
فإذا سمعوه عاندوا وكابروا وقضوا عليه بالبطلان وقابلوه بالإنكار وأن ذلك سبب زيادة هدى المؤمنين وانهماك
الفاسقين في غيهم وضلالهم والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور