شرح
في زمرة من صدرت بذكرهم سورة البقرة . والمفلح الفائز بالبغية ، كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق
عليه ، والمفلج بالجيم مثله . ومنه قولهم للمطلقة : استفلحي بأمرك بالحاء والجيم ، والتركيب دال على معنى الشق
والفتح ، وكذلك أخواته في الفاء والعين ونحو فلق وفلذ وفلى . لما قدم ذكر أولياء وخالصة عباده بصفاتهم التي
أهلتهم لإصابة الزلفى عنده ، وبين أن الكتاب هدى ولطف لهم خاصة قفى على أثره بذكر أضدادهم وهم العتاة
المردة من الكفار الذين لا يقع فيهم الهدى ولا يجدى عليهم اللطف ، وسواء عليهم وجود الكتاب وعدمه وإنذار
الرسول وسكوته . فإن قلت : لم قطعت قصة الكفار عن قصة المؤمنين ولم تعطف كنحو قوله - إن الأبرار لفى نعيم
وإن الفجار لفى جحيم - وغيره من الآي الكثيرة . قلت : ليس وزان هاتين القصتين وزان ما ذكرت ، لأن الأولى
فيما نحن فيه مسوقة لذكر الكتاب وأنه هدى للمتقين ، وسيقت الثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت ، فبين
الجملتين تباين في الغرض والأسلوب وهما على حد لا مجال فيه للعاطف . فإن قلت : هذا إذا زعمت أن الذين يؤمنون
جار على المتقين ، فأما إذا ابتدأته وبنيت الكلام لصفة المؤمنين ثم عقبته بكلام آخر في صفة أضدادهم كان مثل
تلك الآي المتلوة . قلت : قد مر لي أن الكلام المبتدأ عقيب المتقين سبيله الاستئناف وأنه مبنى على تقدير سؤال ،
فذلك إدراج له في حكم المتقين وتابع له في المعنى ، وإن كان مبتدأ في اللفظ فهو في الحقيقة كالجاري عليه .