ثم غنّت الرابعة : [ من الطويل ]
سأفني بك الأيام حتى يسرّني
بك الدهر أو تفنى حياتي مع الدّهر
عزاء وصبرا أسعداني على الهوى
وأحمد ما جرّبت عاقبة الصّبر
ثم أخذت الصورة فعانقتها وبكت ، وبكين ثم شكون إليها جميع ما كنّ فيه ، ثم أمرن بالصورة فطويت ، ففرقت أن يتفرّقن قبل أن أكلَّمهن ، فرفعت رأسي إليهنّ ، فقلت :
لقد ظلمتنّ الغربان ! فقالت إحداهنّ : لو قضيت حقّ السلام ، وجعلته سببا للكلام ، لأخبرناك بقصّة الغربان . قال قلت : إنّما أخبرتكنّ بالحقّ ، قلن : وما الحقّ في هذا ؟ وكيف ظلمناهنّ ؟ قلت : إن الشاعر يقول : [ من الكامل ]
نعب الغراب برؤية الأحباب
فلذاك صرت أحبّ كلّ غراب
قالت : صحّفت وأحلت المعنى ؛ إنّما قال :
[ نعب الغراب ] بفرقة الأحباب
فلذاك صرت عدوّ كلّ غراب
فقلت لهنّ : بالذي خصّكنّ بهذه المحاسن ، وبحقّ صاحبة الصورة لما أخبرتنني بخبركنّ . قلن : لولا أنّك أقسمت علينا بحقّ من يجب علينا حقّه لما أخبرناك : كنّا صواحب مجتمعات على الألفة ، لا تشرب واحدة منّا البارد دون صاحبتها ، فاخترمت صاحبة الصورة من بيننا ، فنحن نصنع في كلّ موضع نجتمع فيه مثل الذي رأيت ، فأقسمنا أن نقتل في كلّ يوم نجتمع فيه ما وجدنا من الغربان لعلَّة كانت . قلت : وما تلك العلَّة ؟ قلن : فرّقن بينها وبين آنس كان لها ، ففارقت الحياة ، وكانت تذمّهنّ عندنا وتأمر بقتلهنّ ، فأقلّ ما لها عندنا أن نمتثل ما أمرت به ، ولو كان فيك شيء من السواد لفعلنا بك فعلنا بالغربان ، ثم نهضن . ورجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بما رأيت ثم طلبتهنّ بعد ذلك فما وقعت لهنّ على خبر ولا رأيت لهنّ أثرا .