تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
من غد باكرني رسوله ، فجئته ، فأدخلني بيتا له نظيفا فيه فرش نظيف ، ثم دعا بمائدة عليها خبز سميذ وخلّ وبقل وملح ، وعليها جدي حنيذ . فأكلنا منه حتى اكتفينا ، ثم أتينا بحلواء فأصبنا منها ، ثم دعا بفراخ ودجاج وفراريج مشوية [ 1 ] ، فأكلنا منها حتى اكتفينا ، وغسلنا أيدينا ، وجاؤنا بفاكهة وريحان وألوان من الأنبذة ، فقال : اختر ما يصلح لك ، فاخترت وشربت ؛ وصبّ قدحا ثم قال : غنّني في قولي : [ من الخفيف ]
قال لي أحمد ولم يدر ما بي [ 2 ]
فغنّيته ، فشرب قدحا وهو يبكي أحرّ بكاء . ثم قال : غنّني في قولي : [ من السريع ]
ليس لما ليست له حيلة
فغنيته وهو يبكي وينشج ، وشرب قدحا آخر وقال : غنّني ، فديتك ، في قولي : [ من الطويل ]
خليليّ ما لي لا تزال مضرّتي [ 3 ]
فغنّيته إيّاه . وما زال يقترح عليّ كلّ صوت غنّي به في شعره فأغنّيه ويشرب ويبكي حتى صارت العتمة . فقال لي : أحبّ أن تصبر حتى ترى ما أصنع فجلست ، فأمر ابنه وغلامه فكسرا كلّ ما بأيدينا من النبيذ وآلاته والملاهي ، ثم أمر بإخراج كلّ ما في بيته من النبيذ وآلاته ، فأخرج جميعه ، فما زال يكسره ويصبّ النبيذ ويبكي حتى لم يبق من ذلك شيء ، ثم نزع ثيابه واغتسل ولبس ثيابا بيضا من الصوف ، ثم عانقني وبكى ، وقال : عليك السّلام يا حبيبي وفرحي من الناس كلَّهم سلام الفراق الذي لا لقاء بعده ؛
شرح
[ 1 ] الأغاني : بسمك مشوي ، والحلواء بعد السمك . [ 2 ] عجزه : أتحب الغداة عتبة حقا . [ 3 ] عجزه : موجودة خير من الصبر .
التذكرة الحمدونية — صفحة 331 | ابن حمدون / احسان عبّاس و بكر عبّاس