واختبؤوها فيك ، وإن كنت عندهم عدلا سقطت شهادتك ، وإن كنت مستورا انكشفت لهم عورتك ، اخرج أخرج اللَّه نفسك .
ثم قال لعبد الصمد : أمرتك أن تدخل عليّ رجلا حصيفا ، أتدخل عليّ مثل هذا ؟ اخرج فجئني بغيره . فخرج ، فأدخل عليه عبّاد بن كثير ، فسلَّم عليه بالخلافة ، فقال له المنصور : أيّ رجل أنا عندك ؟ قال : أنت ما علمت ممّن قضى في إمارته بالعدل ، وأمنت به السّبل وأمن به الخائف . فسرّ بذلك ، فقال :
اختر إمّا جائزتنا فنعطيك ، وإمّا ولا يتنا فنولَّيك . قال : يا أمير المؤمنين ، إنّ القرب منك العزّ العزيز والبهاء المنيع ، وإنّ العمل لك ليزيد في عقل الأريب ، ويلقّح اللبيب ، ويكسب الثروة ، غير أنّي شيخ كبير لم أل عملا قطَّ ، وإن يصلني أمير المؤمنين بشيء أقبله وأجعله من طيّب ما آكله . فأمر له بثلاثمائة دينار وكسوة .
فأخذها وقال : لي حاجة خفيفة ، فإن أذنت لي ذكرتها ، قال : قد أذنت . قال :
إن خطرت ببال أمير المؤمنين وذكره ، فرأى أن يمدّ يده المباركة إليّ فعل . فتبسّم المنصور وقال : نفعل . ثم التفت إلى عبد الصمد فقال له : مثل هذا الشيطان يصلح لمخاطبة الملوك ، لا مثل ذلك الأحمق ، وكان لا يذكره إلا وجّه إليه بمال وكسوة إلى أن مات عبّاد .
506 - قال سلمة بن محارب : لربما كان الخرس خيرا من الكلام .
قيل : كيف ذاك ؟ قال : أخبرني أبي قال : كنت مع مسلمة بن عبد الملك لما قتل يزيد بن المهلَّب وأتي بالأسرى منهم ، فرأيت فيهم مولى لنا ، فسألت الشرط تأخيره . فأتي مسلمة بالأسرى ، فجعل يعفو عنهم . فناداه مولانا من آخر الناس : أصلح اللَّه الأمير ، أنا مولاك ، قال : مولاي لا يخرج عليّ مع ابن المهلَّب ، اضربوا عنقه ؛ فقتل .
507 - يقال : العلم أحد اللَّسانين ، والعمّ أحد الأبوين ، والتثبّت أحد العفوين ، والمطل أحد المنعين ، وقلَّة العيال أحد اليسارين ، والقناعة أحد الرزقين والوعيد أحد الضّربين ، والإصلاح أحد الكسبين ، والراوية أحد
التذكرة الحمدونية — صفحة 258
مساهمون: ابن حمدون
ص٢٥٨