الإنفاق على الزوجة ، وحرمة تزويج الغير لها ، ووجوب القسم بينها وبين
غيرها ، وحرمة ترك وطئها أكثر من أربعة أشهر ، ووجوب المضاجعة ، وحرمة
العزل على القول به ، وغير ذلك من الأحكام المترتبة على الزوجية . وقد
يتخلف بعض هذه الأحكام مع انحفاظ الزوجية - كوجوب الإنفاق
عند النشوز - فأي حكم تكليفي يمكن انتزاع الزوجية منه ؟ وأي جامع بين هذه
الأحكام التكليفية ليكون منشأ لانتزاع الزوجية ؟ وهكذا غير الزوجية من
الأحكام الوضعية المستتبعة لجملة من الأحكام التكليفية مع تخلف بعضها في
بعض الموارد ، كالطهارة والنجاسة ولزوم العقد والملكية والرقية والولاية والحرية
وغير ذلك من الأمور الاعتبارية العرفية ، فلا محيص عن القول بتأصل مثل هذه
الأحكام الوضعية في الجعل كالأحكام التكليفية .
ومنها : الطريقية والوسطية في الإثبات ، فإنها بنفسها مما تنالها يد
الجعل ولو إمضاء ، لما تقدمت الإشارة إليه : من أنه ليس فيما بأيدينا من الطرق
والأمارات ما لا يعتمد عليه العقلاء في محاوراتهم وإثبات مقاصدهم ، بل هي
عندهم كالعلم لا يعتنون باحتمال مخالفة الطريق للواقع ( 1 ) وليس
هامش
( 1 ) أقول : بعد تسليم أن للشارع ليس جعل طريق في مورد من الموارد إلا بنحو الإمضاء للطرق العقلائية
حتى في مثل البينة العادلة وأصالة صحة عمل الغير وسوق المسلم وأمثالها ، مع أنه ليس كذلك جزما - خصوصا
في مثل السوق وأمثاله - نقول : إنه بعد البناء على تنزيل العقلاء احتمال الخلاف منزلة العدم ، فلا محيص من
الالتزام بمثل هذا التنزيل من الشارع بإمضائه لهم في مقام الجعل ، وحينئذ لنا أن نقول : أن تنزيل العقلاء هذا
الاحتمال منزلة العدم لابد وأن يكون بلحاظ بنائهم على العمل به لا بشئ آخر ، كيف ! وتنزيل وجود شئ
منزلة عدمه قابل لأن يكون بلحاظ جهات أخرى غير عملهم ، نظير تشبيه شئ بشئ ، إذ هو قابل لأن يكون
وجه الشبه أمور شتى التي منها البناء في مقام العمل ، فإذا كان الأمر كذلك فلابد أن يكون نظرهم في هذا
التنزيل إلى البناء المزبور لا بشئ آخر ، بل لنا أن نقول :
إن تنزيلهم المزبور الذي هو مدار حجية الطرق لديهم لابد وأن يكون بلحاظ بنائهم على العمل بها لا
نفس العمل ، كيف ! وهذه الطرق حجة لديهم ولو لم يعملوا بها ، فلو كان قوام حجيتها لديهم التنزيل المزبور
بلحاظ نفس العمل ، يلزم اختصاص حجيتها بصورة عملهم ، وليس كذلك جزما ، فيكشف أن التنزيل بلحاظ
أمر مقتضى لعملهم بها لا نفس عملهم ، وليس ذلك إلا بنائهم والتزامهم عند أنفسهم بالعمل بها ، ومثل هذا
البناء والالتزام من سنخ إرادة كلية على شئ في أنفسهم بنحو قابل للتخلف عنه في مقام العمل - كنذورهم -
وبعد ما أمضى الشارع هذا التنزيل فلابد وأن يكون نظره أيضا في هذا التنزيل إلى إرادته لعملهم دون غيره ،
وعليه فهذا التنزيل من الشارع مستتبع لهذه الإرادة التشريعية ، ولا نعنى من انتهاء أمره في أمثال هذا الجعل إلى
الحكم التكليفي إلا هذا
فان قلت : إن مثل هذه الإرادة والبناء مأخوذ في مرحلة الامتثال وإرشاد إلى حكم العقل بموافقة
الحجة ، ولا يمكن أن يكون منشأ اعتبار الحجة .
قلت : بعد ما لا يكون منشأ لاعتبار الحجة غير التنزيل المزبور واحتياج التنزيل إلى كون النظر إلى مثل
هذا البناء والإرادة ، فلا محيص من كون البناء المزبور مصحح أصل الحجة لا من تبعاتها فارغا عن ثبوتها ، وبعد
ما كان كذلك ، فلا محيص من كون رتبة هذه الإرادة والبناء الكلى سابقا عن التنزيل المزبور ، لأنه مصححه ،
وبعد ذلك نسأل : بأن هذه الإرادة والبناء إرادة حقيقية ثابتة في فرض الموافقة ومخالفة الطريق للواقع ؟ أو هو من
الإرادات الطريقية المنحلة إلى الإرادة عند الموافقة والترخيص عند المخالفة ؟ لا محيص للأول ، وإلا لازمه الالتزام
بسببية الإمارة ، فلابد وأن يكون من الثاني . وعلى أي حال : يكون المنجز هذه الإرادة الطريقية ، لا صرف
التنزيل المزبور ، كما أنه بناء عليه يبقى شبهة التضاد بحاله ، كما لا يخفى .