تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير سورة هل أتى — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
فلماذا قدم هذه الصفة بالذات يا ترى ؟ ! ولعل الجواب على هذا السؤال هو : أن النذر هو تعهد ، والتزام أمام الله سبحانه بالعمل بأمر مّا . . والذي نعرفه عن البشر أنهم في تعهداتهم لبعضهم أوفى منهم في تعهداتهم أمام الله سبحانه . . وذلك لغفلتهم ، أو لضعف معرفتهم به تعالى ، أو لغير ذلك من أمور ، يمكن أن يكون الجامع فيما بينها : أن إيمانهم بالله سبحانه لم يتجاوز حدود الخضوع للحكم العقلي ، والتعهد بالالتزام بهذا الحكم ، والوقوف عنده . وهذا هو الحد الأدنى الذي يخرجهم عن دائرة الكفر ، وليحملوا صفة الإيمان والإسلام ، وتترتب عليهم أحكامه . . وانتهاؤهم إلى هذا الحد يعطي : أنهم لم يصل الأمر بهم إلى حد حضور الله في قلوبهم ، وانسيابه في أعماق وجودهم ، وهيمنته على مشاعرهم وأحاسيسهم . . بل بقي أمراً غيبياً بالنسبة إليهم . كما أن إيمانهم بالنبوة ، والنبي ، وصفاته ، وبالآخرة ، وحسابها ، وثوابها ، وعقابها ، ونعيمها ، وجحيمها ، لا يبتعد عن هذا الحال . . فلم تتحول العقيدة بالله ، وبالآخرة ، وبالأنبياء ، والأوصياء إلى حالة وجدانية ، وضميرية . ولم تمازج الفطرة ، والمشاعر ، لتصبح حركة عفوية ، وطريقة حياة ، وليكون ذلك المعتقد إنساناً إلهياً يعيش الإسلام والقرآن ، واقعاً حياً يتلمسه في كل ما يواجهه أو يحيط به . . ولأجل هذا الضعف الظاهر ، في مستوى الوعي والإيمان ، نجد أنهم عند الممارسة تتناقض أفعالهم مع أقوالهم ، ومع اعتقاداتهم .
تفسير سورة هل أتى — صفحة 172 | السيد جعفر مرتضى العاملي