ضحكه التبسم . ويفتر عن مثل حبّ الغمام . وكان إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء جزءا للَّه وجزءا لأهله وجزءا لنفسه . ثم جزّأ جزءه بينه وبين الناس فيسرد ذلك على العامة بالخاصة . ولا يدّخر عنهم شيئا . يؤثر أهل الفضل ناديه .
وقسمه على قدر فضلهم في الدين . وكان يقول : « ليبلغ الشاهد الغائب . وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته . فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبت اللَّه قدميه يوم القيامة » . لا يذكر عنده إلَّا ذلك ولا يقبل من أحد غيره . لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر . لا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك . يعطي كل جلسائه بنصيبه لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه . من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف . ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول . قد وسع الناس منه بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا في الحق عنده سواء . مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة . لا ترفع فيه الأصوات . ولا تؤبن ( 1 ) فيه الحرم ولا تثنّى فلتأته ( 2 ) متعادلين . يتفاضلون فيه بالتقوى . متواضعين يوقرون فيه الكبير . ويرحمون فيه الصغير ويؤثرون ذا الحاجة . ويحفظون أو يحوطون الغريب . وكان دائم البشر سهل الخلق . ليّن الجانب . ليس بفظَّ ولا غليظ ولا صخّاب ولا فحّاش ولا عيّاب يتغافل عما لا يشتهي . ولا يدنس منه ولا يجنب فيه . قد ترك نفسه من ثلاث : المراء ، والإكثار ومما لا يعنيه . وترك الناس من ثلاث . لا يذم أحدا ولا يعيره ، ولا يطلب عورته . ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه .
إذا تكلَّم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير . فإذا سكت تكلموا . ولا يتنازعون عنده من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ حديثهم عنده . فكان يضحك مما يضحكون ويتعجب مما يتعجبون منه ويصبر للغريب على الجفوة في منطقة ومسألته ويقول : « إذا رأيتم طالب الحاجة بطلبها فأردفوه » ولا يقبل الثناء إلا من مكافىء ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام . وكان سكوته على
هامش
( 1 ) لا تذكر فيه الحرم بقبيح .
( 2 ) الفلتات : الزلات أي لم تكن في مجلسه زلات فتحكى .