كيف تريد أن نتبعك وقد تركت قبلتنا ولا تزعم أن عزرا ابن اللَّه . ثم روى الطبري عن ابن عباس رواية تذكر أن اليهود لما أهملوا أوامر اللَّه وشرائعه نسخ التوراة من صدورهم ورفع التابوت من بينهم . وكان عزرا حبرا صالحا فصلَّى وابتهل إلى اللَّه حتى استجاب إليه وأعاد إلى صدره التوراة فبشر بذلك قومه وأخذ يمليها عليهم ثم أعاد اللَّه التابوت . فقالوا ما فعل اللَّه له هذا إلَّا لأنه ابنه . وروى الطبري رواية أخرى عن السدي مختلفة عن رواية ابن عباس في التفصيل متفقة في الجوهر . وبين أسفار العهد القديم سفر باسم سفر عزرا ليس فيه شيء من ذلك وإنما نعت عزرا فيه بأنه كاتب ماهر في توراة موسى وأنه وجه قلبه لالتماس شريعة الربّ . وكان يعمل ويعلم في إسرائيل بالرسوم والأحكام . وعلى كل حال فالذي نرجحه أن الروايات المروية عن ابن عباس والسدي مصدرها يهود المدينة وأنها كانت في بعض قراطيسهم التي لم تصل إلينا . كما أن مما لا شك فيه أن قول اليهود كان يمثل واقعا مسموعا . وحكاية القرآن شاهد حاسم على ذلك .
وفي صدد جملة * ( يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ) * روى الطبري عن أهل التأويل روايات عديدة . منها أنها للنصارى فقط . وفي مقام تقرير كونهم في قولهم إن المسيح ابن اللَّه يشبهون اليهود الذين كفروا قبلهم وقالوا العزير ابن اللَّه . ومنها أنها لليهود والنصارى معا في مقام تقرير كونهم في قولهم إن العزير ابن اللَّه والمسيح ابن اللَّه يشبهون الكفار من العرب وغيرهم الذين كانوا يعبدون الملائكة ويقولون إنهم بنات اللَّه ويستشفون بهم لديه . ولو كان سند وثيق لكون عقيدة العرب بأن الملائكة بنات اللَّه سابقة لعقيدتي اليهود والنصارى ببنوة العزير والمسيح لكان هذا وجيها . إلا أن يقال إن الجملة قد تعني ظروف نزولها حيث كان اليهود والنصارى في عصر النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقولون ذلك استمرارا للسابق . على أن اعتقاد الأمم التي كانت أقدم من عهود اليهودية والنصرانية بأنه كان للآلهة زوجات وأولاد من الحقائق التاريخية المعروفة حيث ثبت من الآثار المنقوشة أن أهل اليمن والعراق والشام ومصر واليونان القدماء كانوا يعتقدون بذلك . ونعتقد أن ذلك مما كان معروفا في عصر النبي وبيئته . والراجح أن مصدر ذلك اليهود والنصارى واللَّه أعلم .
التفسير الحديث — صفحة 416
مساهمون: محمد عزة دروزة
ص٤١٦