تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الحديث — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
« 3 » وتقرير حقيقة المسيح وأمه . فهو رسول مثل سائر الرسل الذين سبقوه . وأمه صدّيقة مؤمنة . وكلاهما بشر مثل سائر البشر وكانا مثلهم يأكلان الطعام . « 4 » وسؤالين استنكاريين وتنديديين موجهين للنصارى : فهل يجوز أن يعبدوا من دون اللَّه ما لا يملك لهم ضرّا ولا نفعا . وهل لا ينبغي لهم أن يثوبوا إلى رشدهم ويتوبوا إلى اللَّه من أقوالهم . وهو الغفور الرحيم الذي يقبل توبة التائبين إليه . أما الذين يظلَّون منحرفين ظالمين أنفسهم فليس لهم أنصار ينصرونهم من اللَّه . ولم يرو المفسرون رواية خاصة بنزول هذه الآيات أيضا . والمتبادر أنها متصلة هي الأخرى بالسياق السابق اتصال تعقيب وتنديد وتذكير وإنذار . ومع أن الآية الأخيرة قد تلهم أن الخطاب الذي أمر النبي صلى اللَّه عليه وسلم بتوجيهه فيها إلى النصارى كان وجاهيا وعلى سبيل التنديد الجدلي . فإن السياق السابق واللاحق يلهم أن هذه الآية منسجمة مع سائر الآيات . ويجعلنا نرجح أن السؤال فيها أسلوبي وعلى سبيل التنديد من جهة وعلى سبيل تعليم النبي بما يوجهه من حجة مفحمة للنصارى من جهة أخرى . ويتبادر أنها جاءت من باب الاستطراد لبيان انحراف النصارى أيضا عن الإنجيل ودعوة المسيح كما انحرف اليهود . ولتوكيد كون أهل الكتاب اليهود والنصارى معا ليسوا على شيء ما داموا لا يقيمون التوراة والإنجيل على ما قررته الآية [ 72 ] بالإضافة إلى عدم اتباع ما أنزل اللَّه إليهم على لسان محمد صلى اللَّه عليه وسلم . والفقرة الأولى من الآية الأولى وردت في الآية [ 17 ] من هذه السورة . وعلَّقنا عليها بما يغني عن التكرار . ولقد علَّقنا على موضوع التثليث الذي تضمنته الآية الثانية وعقيدة النصارى بأن الآلهة ثلاثة في سياق الآية [ 171 ] من سورة النساء بما يغني كذلك عن التكرار . وإن كان من شيء نزيده هنا فهو تقرير الآية هنا كفر الذين يثلثون الآلهة ويقولون إن اللَّه الذي هو في عقيدتهم واحد من الأقانيم الثلاثة ثالث ثلاثة . فهذا التقرير هنا جديد لأن آية النساء جاءت بأسلوب التنديد والاستنكار والنهي .
التفسير الحديث — صفحة 192 | محمد عزة دروزة