صحابي آخر ( 1 ) . ولما استشهد في مؤتة كان ابنه أسامة محل رعاية النبي ومحبته وعطفه . ولقد روى ابن هشام أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم لما عيّن أسامة قائدا لجيش أراد أن يسيره إلى مؤتة لأخذ ثأر أبيه وجيشه ، قال الناس أمر غلاما حدثا على جلَّة المهاجرين والأنصار وكان النبي وجعا فخرج فخطب في الناس فقال : « انفذوا بعث أسامة . فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله . وإنه لخليق بالإمارة وإن كان أبوه لخليقا بها » ( 2 ) . ولقد روى البلاذري أن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه حينما أنشأ ديوان العطاء جعل أسامة في جملة أصحاب الأربعة آلاف وجعل ابنه عبد اللَّه في جملة أصحاب الثلاثة آلاف فاعترض عبد اللَّه قائلا إني شهدت ما لم يشهد أسامة فقال له أبوه : زدته عليك لأنه كان أحبّ إلى رسول اللَّه منك وكان أبوه أحبّ إلى رسول اللَّه من أبيك ( 3 ) .
ولقد أورد الطبري في سياق الآية حديثا لم يذكر راويه رواه البغوي بطرقه عن سعد وأبي بكرة أنهما سمعا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « من ادعى إلى غير أبيه متعمدا حرّم اللَّه عليه الجنّة » . ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن الإنذار النبوي هو في صدد الدعوى الجدية التي تناقض ما سنّه اللَّه وأبطله . أما أن يقول رجل لآخر أصغر منه يا بني أو يقول رجل لآخر أكبر منه يا أبي من قبيل التحبّب والتكريم فليس من هذا الباب . ولقد أورد ابن كثير في هذا المقام والمعنى حديثا رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أنس أنّ النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم قال له يا بني . وهذا من هذا الباب .
هذا ، ولقد جرت عادة الناس ومن جملتهم المسلمون على تبنّي بعض الأيتام فينشئونهم في كنفهم ويعتنون بهم ويعاملونهم كأبنائهم وقد يكون هذا جائزا بل ومأجورا إذا لم يتجاوز الأمر نطاق البرّ والتربية والتنشئة والعناية . أما إذا تجاوز إلى الدعوة الجدية بالبنوّة والأبوّة وما يترتب عليهما من حقوق ومعاملات تحلّ ما حرّم اللَّه وتحرّم ما أحلّ وتمنح وتسمح ما لم يمنحه اللَّه ويسمح به ، وتمنع ما لم يمنعه
هامش
( 1 ) تصفّح الجزء الثالث من طبقات ابن سعد .
( 2 ) ابن هشام ج 4 ص 329 .
( 3 ) ص 456 .