سورة الزمر [ 42 ] على أن التوفي ليس معناه الإماتة حتما ودائما . وقالوا كذلك إنه لا يصح أن يكون لعيسى حياة وموت ثم حياة وموت في الدنيا ، لأن اللَّه إنما جعل لكل إنسان حياة مرة وموتا مرة في الدنيا ، ثم حياة في الآخرة عدا ما يكون أحياه اللَّه بمعجزة مما ذكر في القرآن ووجب الإيمان به . ومع ذلك فقد رووا عن ابن عباس وغيره أن اللَّه أماته ثم أحياه بضع ساعات أو بضعة أيام ورفعه إليه لتكريمه . . .
وللسيد رشيد رضا في صدد ذلك كلام طويل يفيد أن التوفي بمعنى الموت والرفع بمعنى التكريم وأن الأحاديث النبوية هي أحاديث آحاد في أمور غيبية لا يؤخذ فيها إلَّا بالقطعي المشهور وإن نفي صلبه وقتله وكونه شبه عليهم لا ينفي موته موتة عادية وإن جملة إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِه قَبْلَ مَوْتِه في سورة النساء هي بالنسبة لأهل الكتاب وليست بالنسبة لعيسى عليه السلام . ولا تخلو هذه الأقوال من وجاهة .
ومهما يكن من أمر فإن الذي يتبادر لنا أن الآية إنما استهدفت التنويه بعيسى عليه السلام وفضله وكرامته عند اللَّه ولم تستهدف تقرير واقعة . ولا سيما أن أسلوبها أسلوب خطاب موجّه إلى عيسى قبل توفيه ورفعه . وأن الأولى الوقوف منها عند هذا الحد دون ما تزيد ولا تخمين .
ومعلوم أن المبشرين النصارى يحاجون المسلمين بهذه الآية لأن فيها اعترافا بموت عيسى قبل رفعه . وهذا يوافق عقيدتهم مع فارق واحد هو اعتقادهم أنه مات مصلوبا ويرون في الآية في الوقت نفسه نقضا لآية النساء التي تنفي قتل عيسى وصلبه . وتقرر أن اللَّه رفعه إليه بأسلوب قد يفيد أن ذلك كان وهو حي . ولسنا نرى في الآيتين صراحة قطعية بموته قبل رفعه ولا رفعه وهو حي . والعبارة تتحمل الصورتين . والقرآن نفى موته صلبا أو قتلا فليس للنصارى حجة في النص القرآني والحالة هذه حتى لو أوّل بأنه رفع بعد الموت . وسنستوفي البحث في موضوع آية النساء في مناسبتها إن شاء اللَّه .
وسابعا : لقد روى المفسرون في سياق جملة * ( وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ
التفسير الحديث — صفحة 157
مساهمون: محمد عزة دروزة
ص١٥٧