تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الحديث — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
في صدد عيسى ، في حين أن في هذه المحكمات القول الفصل في ذلك من حيث أنها تقرر أن عيسى عبد اللَّه ورسوله وأنه بشر ولد كبشر وعاش ومات كبشر وإن مثله كمثل آدم قال اللَّه كن فكان وإن اللَّه جلّ وتنزّه أن يتجزأ وأن يسري منه روح إلى بشر بالمعنى التام للكلمة لأن روحه هي ذاته أبدية سرمدية فنزلت الآية تندد بهم وتدمغهم بالزيغ لأنهم تمسكوا بالمتشابهات وتركوا المحكمات التي هي أمّ الكتاب . وهناك حديث رواه الشيخان عن عائشة فيه تدعيم آخر . فقد سئلت عما إذا كان النبي رأى ربّه اشتباها ببعض آيات القرآن التي توهم ذلك فقالت « من زعم أنّ محمدا رأى ربّه فقد أعظم الفرية واللَّه يقول لا تدركه الأبصار » ( 1 ) . حيث جعلت في هذه الجملة القرآنية التي وردت في الآية [ 103 ] من سورة الأنعام القول الفصل في موضوع رؤية النبي للَّه تعالى . وهناك آيات كثيرة جدا من نوع المتشابهات تثير بعض الإشكال ولكن ذلك يزول إذا ما جعلت المحكمات مرجعا فاعلا لها . وقد نبهنا على كثير من ذلك في ما سبق تفسيره من السور . فنكتفي بهذا التنبيه ونقول إن الغفلة عن هذا من أسباب كثير من الخلافيات الكلامية في الإسلام ومن أسباب كثير من التوهمات غير الإسلامية في صدد محتويات القرآن ومبادئ الإسلام وتلقيناته وأهدافه . 5 - والآية الأولى تقرر أن المحكمات هنّ أمّ الكتاب كما تقرر أن اللَّه وحده يعلم التأويل الصحيح للمتشابهات . وإن الذين يتبعون المتشابهات هم الذين في قلوبهم زيغ ابتغاء الفتنة بتأويلها تأويلا تعسفيا . وهذا يوجب على من لا يريد أن يدمغ بذلك من الناظرين في القرآن أن يصرفوا اهتمامهم الأعظم للمحكمات وتدبّرها وفهمها والالتزام بها لأنها هي القرآن التي فيها تقرير الرسالة المحمدية ومبادئها وعقائدها وأحكامها وأسسها ووصاياها وتلقيناتها . وأن يقف من المتشابهات عندما اقتضت حكمة التنزيل إيحاءه منها بالأساليب التي أوحيت بها لتحقيق المقاصد التدعيمية للمحكمات دون مماراة ولا تيهان في التأويل التعسفي
هامش
( 1 ) انظر التاج ، ج 4 ص 100 .
التفسير الحديث — صفحة 118 | محمد عزة دروزة