تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الحديث — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
هو خبير بكل ما يفعلون ، غير غافل عنه قد أحصاه عليهم وأعدّ لهم جزاءه . والتقريع والتنديد في هذه الحلقة عنيفان جدا ، وهذا العنف متناسب مع ما تحكيه من انحراف الآباء والأبناء وكفرهم وبغيهم وقتلهم الأنبياء تارة ، واستكبارهم وتكذيبهم تارة ، وعبادتهم العجل ونقضهم عهد اللَّه وميثاقه عمدا وبغيا مما يستثير النقمة والسخط حقا ويدل على ما كان لمواقف الحاضرين من أثر أو ما كان يتوقع لها من أثر في الأوساط العربية التي كان لهم فيها مركز ديني وثقافي . ولا سيما أن القرآن المكي كثيرا ما استشهد بالكتابيين - ومنهم بنو إسرائيل - على صحة الرسالة المحمدية والوحي القرآني وصدق صلتهما باللَّه . وفي الأسفار المتداولة اليوم صور كثيرة من مواقف اليهود القدماء فيها تكذيب وانحراف وتمرد وقتل أنبياء حيث ينطوي في ذلك أولا قصد تذكير اليهود السامعين بما كانوا يعرفونه من مواقف آبائهم والتنديد بهم لأنهم يكررون بمواقفهم الجحودية ما فعله أولئك الآباء ، ويستحكم فيهم بذلك الإفحام والإلزام . وقد أورد المفسرون ( 1 ) في جملة * ( وكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) * أقوالا معزوة إلى بعض التابعين وتابعيهم ، منها أن اليهود كانوا يتفاخرون على العرب بما عندهم من كتاب سماوي وبما هم عليه من دين سماوي فلما جاءهم ما هو متطابق مع ما كانوا يتفاخرون ويعرفون أنه حق كفروا به . ومنها أن اليهود كانوا يقولون للعرب حينما يشتد بينهم الجدل أو الخلاف إنه سوف يبعث قريبا نبي عربي ، صفاته مذكورة عندنا وسنتفق معه عليكم ونقتلكم معه قتل عاد وإرم . والجملة تتحمل هذا وتتحمل ذاك وفي آية سورة الأعراف هذه : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَه مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ والإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ويَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِه وعَزَّرُوه
هامش
( 1 ) انظر تفسير الطبري وابن كثير والخازن والطبرسي والبغوي . وننبه على أن المفسرين أوردوا أقوالا أخرى مختلفة في الصيغة متفقة في الجوهر فاكتفينا بما لخصناه .
التفسير الحديث — صفحة 195 | محمد عزة دروزة