موسى إذا لم يكن عالما بعواقبها وهي ماضية على الصحة في الحقيقة وآئلة إلى الصواب في العاقبة . وينبىء عن صحة ذلك قوله ورَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِه مَوْئِلًا ، ولقد أورد المفسر القاسمي طائفة من مواضع العبرة والعظة والتلقينات في القصة نقلا عن مصادر عديدة منها استحباب الرحلة في طلب العلم وتجشم المشاق في ذلك .
واستزادة العالم من العلم . وتواضع المتعلم لمن يتعلم منه ولو كان دونه في المرتبة . والتحذير من عجب المرء بعلمه . وجواز إتلاف مال الغير أو تعييبه لوقاية باقية . وارتكاب مفسدة خفيفة توقيا من مفسدة شديدة . وعدم جواز ترك بناء أو متاع يفسد ويخرب دون بذل الجهد لتلافي ذلك . وعدم استحسان مبادرة المرء إلى إنكار ما لم يستحسنه أو يعرف أسبابه ووجوب الوفاء بالشروط والاعتذار من النسيان والخطأ والتأميل في رحمة اللَّه وعنايته بالذرية التي يتركها الآباء والصالحون .
ويحسن أن يضاف إلى هذا استلهاما من الحديث الجامع أن الإنسان مهما أوتي من العلم والحظوة فيجب أن يكون متواضعا للَّه وأن يلحظ دائما أن من المحتمل أن يكون غيره أفضل منه وأعلم منه وأحظى منه عند اللَّه .
ولقد يلهم الحديث الجامع بالإضافة إلى ما تقدم أن بين هذه القصة وبين الآيتين [ 23 - 24 ] اللتين وردتا في ثنايا آيات قصة أصحاب الكهف شيء من المناسبة . فالآيتان احتوتا أمرا للنبي صلى اللَّه عليه وسلم بألا يقول لشيء إني فاعل ذلك غدا إلَّا أن يشاء اللَّه مما قد يكون فيه عتاب لوعده بشيء دون إناطة ذلك بمشيئة اللَّه على ما رواه الرواة ، ولعل هذا أدى إلى قيل وقال واستغراب وسؤال فأوحى اللَّه بآيات القصة التي لم تكن مجهولة لبيان كون بعض الأنبياء السابقين أيضا قد وقعوا في شيء من الخطأ العفوي الذي قد يكون مرده الطبيعة البشرية ، وإذا صح هذا فيكون بين هذا الفصل وبين فصول السورة السابقة صلة ما على ما هو المتبادر .
ولقد أورد المفسرون أقوالا متنوعة أخرى غير واردة في الحديث الصحيح
التفسير الحديث — صفحة 87
مساهمون: محمد عزة دروزة
ص٨٧