في الآية الأولى تقرير تنديدي بطبيعة الإنسان الجدلية والمرائية . فإن اللَّه قد ضمن القرآن أنواع الأمثال وقلَّب فيه وجوه الكلام لتذكير الناس وإنذارهم ، ولكن طبيعة الجدل الغالبة في البشر تتحكم فيهم فتحول دون ارعوائهم وتذكرهم .
وهذه الآية يمكن أن تكون تعقيبية على الآيات السابقة ، كما يمكن أن تكون مقدمة للآيات التي بعدها ، ونحن نرجح هذا لأن الآيات التي جاءت بعدها ذكرت مجادلة الكفار بالباطل لدحض الحق تعنتا ومكابرة ولذلك جعلناها معها .
أما بقية الآيات فقد احتوت :
1 - تنديدا بالكفار : فقد جاءهم الهدى فكان الأحرى بهم أن يهتدوا ويؤمنوا ويتوبوا إلى اللَّه ويستغفروه عما فرط منهم . ولكنهم امتنعوا كأنهم ينتظرون ليؤمنوا أن يأتيهم عذاب اللَّه عيانا أو تأتيهم سنة اللَّه في الأمم السابقة من البلاء الصاعق .
وفي موقفهم هذا ما فيه من الحمق والتفريط .
2 - وإشارة تقريعية إلى موقف الكفار : فإنهم بدلا من أن يهتدوا وينتفعوا بالهدى يلجأون إلى الجدل الباطل ليبطلوا به الحق ويغطوا عليه ، ويتخذوا آيات اللَّه ونذره هزؤا وسخرية .
3 - وتساؤلا تنديديا عما إذا كان يوجد من هو أشد ظلما وحمقا وانحرافا ممن يذكر بآيات اللَّه ويدعى إلى الحق فيعرض ويتصامم ولا يبالي سوء العاقبة وما يقترفه من آثام .
4 - وتعليلا لهذا الموقف : فإن الذين يقفون مثل هذا الموقف يكونون قد قست قلوبهم فلا تفقه دعوة الحق ، وصمّت آذانهم فلا تسمع كلمة الحق . فإذا دعوا إلى الهدى فلا يهتدون البتة بطبيعة الحال .
5 - وتقريرا لحكمة اللَّه في إمهالهم : فاللَّه متصف بالغفران والرحمة من جهة فيتجاوز عن مثل هذا الطيش والتصامم رجاء أن يثوب أصحابها في النهاية إلى الحق ويرعووا عن موقفهم الباطل . واقتضت حكمته من جهة أخرى إمهالهم إلى
التفسير الحديث — صفحة 79
مساهمون: محمد عزة دروزة
ص٧٩