الجدل والاحتجاج ، وتبرير ما هم عليه من شرك وتقاليد باطلة ومما علقنا عليه تعليقا يغني عن التكرار . والرد الوارد عليهم في الآيات موجه إلى العقل والقلب معا ، وفيه إنذار للكفار وتطمين وتسلية للنبي عليه السلام . فهذا القول ليس جديدا فقد كان يقوله الكفار المشركون من الأمم السابقة . ولقد أرسل اللَّه إلى كل أمة رسولا لبيان الحق والباطل والحلال والحرام ، وعبادة اللَّه وحده واجتناب الشرك والأوثان لأن الناس قد لا يدركون هذا من أنفسهم فكان منهم المهتدي ومنهم الضال . وليس على الرسل إلا البلاغ فمن هداه اللَّه اهتدى ومن حقّت عليه الضلالة ضلّ . وفي الآية الأخيرة التفات للنبي على سبيل التطمين فاللَّه يعلم أنه حريص على هداية الجميع ولكن اللَّه لا يمكن أن يهدي من حقت عليه الضلالة وضل فلا محل للاغتمام والحزن ، ولن يجد هؤلاء لهم ناصرا ولا منقذا .
وقد آمن معظم الذين ضلوا وكفروا برسالة النبي صلى اللَّه عليه وسلم في مكة فيما بعد وحسن إسلامهم مما يؤيد ما ذهبنا إليه من أن الآيات على سبيل تطمين النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، ومما ينطوي فيه ما ذكرناه في مناسبة سابقة مماثلة من قصد تقرير واقع الكفار الضالين حين نزول الآيات ، وليس قصد التأبيد في الإضلال الذي قد يعني عدم التوفيق والسداد والذي ليس إلَّا بالنسبة للذين كفروا وضلوا وماتوا على ذلك .
وبالنسبة لما احتوته الآيات من كون الذين يهديهم اللَّه يهتدون ومن يضلهم اللَّه يضلون ، وإن من الناس من هدى اللَّه ومنهم من حقت عليهم الضلالة .
نقول إنه إذا لحظ التخصيص الذي احتوته آية البقرة [ 26 ] : يُضِلُّ بِه كَثِيراً ويَهْدِي بِه كَثِيراً وما يُضِلُّ بِه إِلَّا الْفاسِقِينَ وآية إبراهيم [ 27 ] :
ويُضِلُّ اللَّه الظَّالِمِينَ وآية الرعد [ 27 ] : قُلْ إِنَّ اللَّه يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي إِلَيْه مَنْ أَنابَ زال ما يمكن أن توجده عبارة الآيات من وهم ولم يبق محل لتشاد
التفسير الحديث — صفحة 131
مساهمون: محمد عزة دروزة
ص١٣١