حادث حدث في المدينة ولا ضرورة لفرض نزول الآية مرة ثانية في المدينة واللَّه أعلم .
ورواية السؤال عن الروح فقط هي الأكثر وجاهة واتساقا مع نصّ الآيات ومقامها . دون الرواية التي تذكر أن هذا السؤال هو أحد أسئلة ثلاثة أو عز اليهود للمشركين بسؤالها للنبي صلى اللَّه عليه وسلم ، وعدم وجاهة هذه الرواية يبدو قويا في كون المسألتين الثانيتين جاءتا في سورة أخرى ، وكل منهما بعيدة في ترتيب النزول عن الأخرى .
ومن المحتمل أن يكون السؤال أورد من المشركين بإيعاز من اليهود أو بدون إيعازهم . ومن المحتمل أن يكون أورد من بعض اليهود أو النصارى مباشرة وكان منهم أفراد في مكة . بل ومن المحتمل أن يكون أورد من بعض المسلمين ، فموضوع السؤال من المواضيع الدقيقة التي تخطر لبال كل من هؤلاء أن يسألوا النبي صلى اللَّه عليه وسلم عنها .
والروايات التي تذكر أن الروح المسؤول عنه هو ذلك الخلق العظيم العجيب من الملائكة أو غيرهم أو عيسى عليه السّلام لا تستند إلى سند وثيق . ويتبادر لنا من مقام الآيات وسياقها أن الرواية التي تذكر أن المقصود من السؤال هو القرآن وكيفية نزول الملك به على النبي هي الأكثر وجاهة وورودا . فالقرآن ذكر قبل هذه الآيات فيجوز أن يكون السؤال أورد على النبي في ظرف نزولها فنزل الجواب في ذلك مع السياق . وورود آية بعد قليل من الآية فيها إيذان بعجز الجن والإنس عن الإتيان بالقرآن قد يكون قرينة قوية على هذا الترجيح كما هو المتبادر .
وفي سورة الشعراء التي نزلت قبل هذه السورة بقليل آيات عديدة عن القرون ونزول الملك به [ 192 - 195 و 211 - 214 ] فيجوز أن يكون ما جاء فيها هو المناسبة للسؤال أيضا . والآيات السابقة لهذه الآية والتالية لها التي فيها ذكر القرآن والانسجام الذي يبدو قويا تاما يمكن أن تكون قرائن مرجحة لترجيحنا . ولقد كان القرآن من أكثر المواضيع التي دار جدل الكفار حولها ونزل فيه آيات مكية . وهذا
التفسير الحديث — صفحة 426
مساهمون: محمد عزة دروزة
ص٤٢٦