تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الحديث — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦

تعليق على آية * ( والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ) * وما بعدها

والآيات غير منقطعة عن السياق بل ومعطوفة عليه . وقد احتوت ردّا ثانيا على الكفار كما هو المتبادر . فالكفار كانوا يقولون إن الشياطين هم الذين ينزلون على النبي صلى اللَّه عليه وسلم بالقرآن وإن النبي صلى اللَّه عليه وسلم شاعر وإن القرآن شعر ، مما حكته آيات عديدة مرّت أمثلة منها وبخاصة في سورة يس فردت الآيات السابقة على الزعم الكاذب الأول ، واحتوت هذه الآيات ردّا على الزعم الكاذب الثاني . فالشعراء إنما يتبعهم الغاوون ، وهم يقولون ما لا يفعلون ، وفي كل واد يهيمون في حين أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم يدعوا إلى اللَّه وحده وإلى الحق والخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويفعل ما يقول ، وتحلَّى أتباعه بكل ما دعا إليه وأمر به ونهى عنه فصاروا الجماعة الفاضلة القوية بإيمانها وأخلاقها وأفعالها .

تعليق على استثناء المؤمنين من ذمّ الشعراء

ولقد احتوت الآية الأخيرة استثناء الشعراء المؤمنين الصالحين من الوصف الذي احتوته الآيات الأولى ، وتنويها بهم . فهم ليسوا من تلك الطبقة حيث خرجوا عن طبيعتها فآمنوا باللَّه وحده وعملوا الصالحات ، ساروا في طريق الخير والحق والصدق ، وانتصروا مما وقع عليهم من الظلم . وقد انتهت الآية بوعيد للظالمين وإنذار بالعاقبة السيئة التي سيصيرون إليها . والمتبادر أن المقصود بالانتصار هو ما كان ينظمه شعراء المسلمين من قصائد يردّون فيها على قصائد الهجو التي كان ينظمها شعراء الكفار . وقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآيات الأربع مدنيات . وذكر ذلك الزمخشري في مطلع تفسير السورة . والحقيقة أن الطابع المدني ظاهر على الآية الأخيرة فقط . فالمسلمون إنما وقفوا موقف المنتصر من بعد الظلم والمدافع المنتقم بعد الهجرة ولم يكن في مكة مجال للتهاجي بين شعراء المسلمين والكفار ،
التفسير الحديث — صفحة 276 | محمد عزة دروزة