تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الحديث — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
ويبدو أن الكفار كانوا يقولون فيما يقولونه عن القرآن : إن الشياطين تتنزل به على النبي صلى اللَّه عليه وسلم جريا على ما كانوا يعتقدونه من أن شياطين الجن كانوا يتصلون بالسحرة والكهنة والشعراء ويوحون إليهم أو يلقنونهم بما يقولونه ، ومن أن الشياطين كانوا يسترقون أخبار السماء وينقلونها إلى الكهنة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الجن ومناسبات سابقة أخرى فأكدت الآيات [ 192 - 195 ] أنه وحي رباني ، وجاءت هذه الآيات لتؤكد نفي صلة الشياطين به مما قد قام في أذهان الكفار أو زعموه من وحي عقائدهم . وينطوي في الآيات وخاصة في تعبير * ( وما يَنْبَغِي لَهُمْ ) * معنى جليل فيما يتبادر لنا . وهو تقرير كون الشياطين الذين هم عناصر شريرة خبيثة لا يمكن أن يصدر عنهم إلَّا الأذى ووسوسة المعاني الدنيئة والإغراء والشر ، ولا يمكن أن توحي بالقرآن الذي يدعوا إلى اللَّه تعالى وفضائل الأخلاق وصالح الأعمال ، وينهى عن الفواحش والخبائث والإثم والبغي والاتجاه لغير اللَّه وإشراك غيره في العبادة والدعاء ويحذر من الشياطين ووساوسهم ، ولعلّ الآيات [ 192 - 195 ] وهي تقرر نزول الروح الأمين بالقرآن قد انطوت على هذا المعنى بسبيل المقارنة والإفحام والإقناع كأنما جاءت لتقرر أن مثل هذا القرآن الذي يحتوي ما يحتوي من الدعوة إلى الحق والخير والتحذير من الباطل والشر لا يمكن أن ينزل به إلَّا الروح الأمين بإذن اللَّه البرّ الرحيم العادل الحكيم وأمره . ولقد كان السامعون يعتقدون بوجود اللَّه وصفاته السامية . وهذا مما يقوي الإفحام والإقناع اللذين استهدفتهما الآيات . وهذا المعنى مؤيد بقوة ووضوح في آيات أخرى من السورة تأتي قريبا .
فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ‹ 213 › وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ‹ 214 › واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‹ 215 › فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ‹ 216 › وتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ‹ 217 › الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ‹ 218 › وتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ‹ 219 › إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ