إِنَّ اللَّه عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأَرْضِ إِنَّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ‹ 38 › هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْه كُفْرُه ولا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً ولا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً ‹ 39 ›
« 1 » خلائف : قيل إن الكلمة جمع خليفة وإنها إما بمعنى كون اللَّه جعل آدم وذريته خلفاء في الأرض ، كما جاء في آية سورة البقرة [ 30 ] وما بعدها . وإما بمعنى أن أمة تخلف أمة وجيلا يخلف جيلا بالتوالي .
« 2 » مقتا : غضبا وسخطا وبعدا .
المتبادر أن الآيات جاءت تعقيبية على سابقاتها حيث وجه الخطاب فيها للناس جميعا . فاللَّه يعلم كل سرّ وجهر في السماوات والأرض ويعلم كل خطرة من خطرات النفوس ومكنونات الصدور . وجعل السامعين للقرآن خلائف لمن سبقهم من الأجيال مما هو سنة من سنن الكون في جعل البشر خلائف يخلف بعضهم بعضا . فمن كفر منهم فإثم كفره وتبعته عليه وحسب ، والكفر إنما يؤدي بصاحبه إلى زيادة من مقت اللَّه وزيادة من الخسران .
تعليق على جملة * ( فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْه كُفْرُه ) *
والفصل على هذا استمرار للسياق . وهو قوي نافذ الأسلوب كالفصول التي سبقته . وهو من الفصول الصريحة في تقرير كون الإنسان إنما يكفر باختياره ، وإن ما يصيبه من شرّ وخسارة ومقت إنما هو بسبب اختياره الكفر ونتيجة له ، واختيار الكافر الكفر واختيار المؤمن الإيمان إنما يقعان بما أودعه اللَّه في الإنسان من العقل وقوة التمييز بين الكفر والإيمان ، والإقدار على اختيار أحدهما . وبهذا يصبح الجدل الكلامي في أثر إرادة اللَّه تعالى ومشيئته في مفردات أعمال الناس وعدمه في غير محله ، فإرادة اللَّه وحكمته اقتضتا أن يكون الإنسان قادرا على التمييز والاختيار