تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ مدينة دمشق — صفحة مقدمة المحقق 32

مساهمون:

صمقدمة المحقق ٣٢
على الخلفاء والاستجابة لندبهم في هذه البعوث أو تلك ، أو في الفتوحات البرية أو في الفتوحات البحرية ؟ ألم تكن الشام في السلم والحرب ، في معارك صفين أو في حركات العراق والحجاز ، في البعوث نحو إفريقيا أو نحو القسطنطينية هي مهاد هذا الملتقى الكبير ، الذي انصهرت فيه القبائل وامتدت أمة واحدة هنا نحو أقصى الشرق ، وهناك نحو أقصى الغرب . ألا يؤكد ذلك كله عندنا أن هذا التاريخ هو تاريخ للعالم الاسلامي كله من خلال هذه العدسة الضوئية الصغيرة المكبرة : دمشق . وهل كانت الشام بمعزل عن الحياة والمشاركة فيها في القرون التي ثلث قيام الدولة العباسية ؟ ألم يدخلها علماء وخلفاء وقواد ؟ ألم يرتحل منها فقهاء وشعراء ، وولاة وقضاة ، ورواه كان لهم في صياغة تاريخ العرب والمسلمين جميعا نصيب ؟ إن تاريخ دمشق لابن عساكر يقدم للذين يدرسون التاريخ الأندلسي : فتوحاته وسياسته ، وإمارته وخلافته ، وإدارته وقيادته ، وعلومه وثقافته ، وأدبه وفكره ، مادة طيبة وخاصة في بداياته الأولى مما هو جدير بالتتبع له والإفادة منه . وكان تاريخ ابن عساكر : يمتد في المكان امتداد بلاد الشام من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها ، ثم يجاوز ذلك ليكون على امتداد الوطن الاسلامي والثقافة الاسلامية . ويمتد في الزمان ليسجل أطرافا من تاريخ الجاهلية ، ثم يكون تاريخا للسيرة النبوية والعصر الراشدي والخلافة الأموية ثم ما بعدها من الخلافة العباسية والدويلات حتى وفاة ابن عساكر في أواخر القرن السادس الهجري " 571 " . ويمتد عمقا في فهم التاريخ فلا تستوقفه الاحداث والوقائع وحدها وإنما يتناول روح التاريخ حين يقدم لنا المادة الأولية الغنية لرصد الحركة الحضارية : دينا وشريعة وثقافة وفكرا . كذلك كان ، وكذلك يجب أن نفهمه وأن ننظر إليه ومع أهميته هذا الكتاب ، فإن مؤلفه الحافظ أبا القاسم كان محدثا قبل أن يكون مؤرخا ، وقد غلب عليه الحديث ، حيث تعمق فيه معرفة متنا وسندا وطرقا ، حتى غدا إمام أهل الحديث في زمانه ( 1 ) ، لذلك فقد سلك في تاريخه هذا نهج المحدثين فهو يبدأ
هامش
( 1 ) طبقات السبكي : 7 / 215 .
تاريخ مدينة دمشق — صفحة مقدمة المحقق 32 | علي شيري / ابن عساكر