ثانيا : أن البحث في المقام إنما هو عن تحديد التوحيد والشرك ولا عن كون العمل
مفيدا أو غيره أو بدعة ، وغير بدعة فكل ذلك خارج عن بحثنا ، أضف إلى ذلك أنه
قد ثبت في محله مشروعية التوسل بالأرواح المقدسة بالدلائل النقلية
الصريحة ( 1 ) .
وعلى كل حال لا يمكن اعتبار الاستغاثة بالميت شركا إذ لم يفوض ملاك التوحيد
والشرك إلينا بل الميزان في الشرك هو الاعتقاد باستقلال الفاعل في ذاته وفعله
والتوجه به كذلك . كما أن الاعتقاد بعدم استقلاله في ذاته وصفاته وأفعاله يعد
اعترافا بعبوديته ويعد التوجه به تكريما واحتراما . ولو تناسينا هذه القاعدة لما
وجد على أديم الأرض موحدا أبدا .
وفيما يلي نلفت نظر القارئ الكريم إلى كلام لتلميذ ابن تيمية في هذا المجال .
يقول ابن القيم :
" ومن أنواع الشرك طلب الحوائج من الموتى ، والاستعانة بهم ، والتوجه إليهم .
وهذا أصل شرك العالم ، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضرا
ولا نفعا " ( 2 ) .
وما ذكره من الدليل لا يثبت مدعاه لأن قوله : " فإن الميت قد انقطع عمله " دليل على
عدم فائدة الاستغاثة بالميت ، وليس دليلا على كونها شركا ، وهو لم يفرق بين
الأمرين ، والأغرب من ذلك قوله : " ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا " إذ لا فرق في
ذلك بين الحي والميت ، فلا يملك أحد ضرا لنفسه ولا نفعا بدون إذن الله وإرادته ،
سواء أكان حيا ، أم ميتا . ومع الإذن الإلهي يملكون النفع والضر ، أحياء كانوا أم أمواتا .
هامش
( 1 ) راجع رسالتنا : التوسل في ضوء الكتاب والسنة .
( 2 ) فتح المجيد : 68 ، الطبعة السادسة .